توبة الممثلة شمس البارودي
في حوار أجرته إحدى الصحف مع شمس البارودي الممثلة المعروفة التي اعتزلت التمثيل وردّاً على سؤال عن سبب هدايتها قالت:
البداية كانت في نشأتي.. والنشأة لها دور مهم. والدي -بفضل الله- رجل متدين، التدين البسيط العادي.. وكذلك كانت والدتي -رحمهما الله- كنت أصلي ولكن ليس بانتظام.. كانت بعض الفروض تفوتني ولم أكن أشعر بفداحة ترك فرض من فروض الصلاة.. وللأسف كانت مادة الدين في المدارس ليست أساسية وبالطبع لم يكن يرسب فيها أحد ولم يكن الدين علماً مثل باقي العلوم الأخرى الدنيوية.. وعندما حصلت على الثانوية العامة كانت رغبتي إما في دخول كلية الحقوق أو دراسة الفنون الجميلة، ولكن المجموع لم يؤهلني لأيهما.. فدخلت معهد الفنون المسرحية، ولم أكمل الدراسة فيه حيث مارست مهنة التمثيل.. وأشعر الآن كأنني دفعت إليها دفعاً.. فلم تكن في يوم من الأيام حلم حياتي ولكن بريق الفن والفنانين والسينما والتليفزيون كان يغري أي فتاة في مثلي سني -كان عمري آنذاك 16-17 سنة- خاصة مع قلة الثقافة الدينية الجيدة.
وأثناء عملي بالتمثيل كنت أشعر بشيء في داخلي يرفض العمل حتى أنني كنت أظل عامين أو ثلاثة دون عمل حتى يقول البعض: إنني اعتزلت..
والحمد لله كانت أسرتي ميسورة الحال من الناحية المادية فلم أكن أعمل لحاجة مادية.. وكنت أنفق العائد من عملي على ملابسي ومكياجي وما إلى ذلك.. استمر الوضع حتى شعرت أني لا أجد نفسي في هذا العمل.. وشعرتُ أن جمالي هو الشيء الذي يُستغل في عملي بالتمثيل.. وعندها بدأت أرفض الأدوار التي تُعرض عليً، والتي كانت تركز دائماً على جمالي الذي وهبني الله إياه وعند ذلك قلّ عملي جداً.. كان عملي بالتمثيل أشبه بالغيبوبة.. كنت أشعر أن هناك انفصاماً بين شخصيتي الحقيقية والوضع الذي أنا فيه.. وكنت أجلس أفكر في أعمالي السينمائية التي يراها الجمهور.. ولم أكن أشعر أنها تعبّر عني، وأنها أمر مصطنع، كنت أحسّ أنني أخرج من جلدي.
وبدأت أمثل مع زوجي الأستاذ حسن يوسف في أدوار أقرب لنفسي فحدثت لي نقلة طفيفة من أن يكون المضمون لشكلي فقط بل هناك جانب آخر. أثناء ذلك بدأت أواظب على أداء الصلوات بحيث لو تركت فرضاً من الفروض استغفر الله كثيراً بعد أن أصلّيه قضاءً.. وكان ذلك يحزنني كثيراً.. كل ذلك ولم أكن ألتزم بالزي الإسلامي.
وقبل أن أتزوج كنتُ أشتري ملابس من أحدث بيوت الأزياء في مصر وبعد أن تزوجت كان زوجي يصحبني للسفر خارج مصر لشراء الملابس الصيفية والشتوية!!.. أتذكر هذا الآن بشيء من الحزن، لأن مثل هذه الأمور التافهة كانت تشغلني.
ثم بدأت أشتري ملابس أكثر حشمةً، وإن أعجبني ثوب بكمّ قصير كنت أشتري معه (جاكيت) لستر الجزء الظاهر من الجسم.. كانت هذه رغبة داخلية عندي.
وبدأت أشعر برغبة في ارتداء الحجاب ولكن بعض المحيطين بي كانوا يقولون لي: إنكِ الآن أفضل!!!.
بدأت أقرأ في المصحف الشريف أكثر.. وحتى تلك الفترة لم أكن قد ختمت القرآن الكريم قراءة، كنت أختمه مع مجموعة من صديقات الدراسة.. ومن فضل الله أنني لم تكن لي صداقات في الوسط الفنـي، بل كانت صداقاتي هي صداقات الطفولة، كنت أجتمع وصديقاتي -حتى بعد أن تزوجت- في شهر رمضان الكريم في بيت واحدة منا نقرأ الكريم ونختمه وللأسف لم تكن منهن من تلتزم بالزي الشرعي.
في تلك الفترة كنت أعمل دائماً مع زوجي سواء كان يمثل معي أو يُخرج لي الأدوار التي كنت أمثلها.. وأنا أحكي هذا الآن ليس باعتباره شيئاً جميلاً في نفسي ولكن أتحدث عن فترة زمنية عندما أتذكرها أتمنى لو تمحى من حياتي ولو عدت إلى الوراء لما تمنيت أبداً أن أكون من الوسط الفني!!
كنت أتمنى أن أكون مسلمة ملتزمة لأن ذلك هو الحق والله –تعالى- يقول: (وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليَعبدون).
كنت عندما أذهب إلى المصيف أتأخر في نزول البحر إلى ما بعد الغروب ومغادرة الجميع للمكان إلا من زوجي، وأنا أقول هذا لأن هناك من تظن أن بينها وبين الالتزام هُوَّةٌ واسعة ولكن الأمر -بفضل الله- سهل وميسور فالله يقول في الحديث القدسي: (ومن تقرب إلىّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن تقرب إلى ذراعاً تقربتُ إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً).
وكانت قراءاتي في تلك الفترة لبرجسون وسارتر وفرويد وغيرهم من الفلسفات التي لا تقدم ولا تؤخر وكنت أدخل في مناقشات جدلية فلسفية وكانت عندي مكتبة ولكني أحجمت عن هذه القراءات دون سبب ظاهر.
كانت عند رغبة قوية في أداء العمرة وكنت أقول في نفسي: إنني لا أستطيع أن أؤدي العمرة إلا إذا ارتديت الحجاب لأنه غير معقول أن أذهب لبيت الله دون أن أكون ملتزمة بالزي الإسلامي.. لكن هناك من قلنَ لي: لا.. أبداً.. هذا ليس شرطاً.. كان ذلك جهلاً منهن بتعاليم الإسلام لأنهن لم يتغير فيهن شيء بعد أدائهن للعمرة.
وذهب زوجي لأداء العمرة ولم أذهب معه لخوفي أن تتأخر ابنتي عن الدراسة في فترة غيابي.. ولكنها أصيبت بنزلة شعبية وانتقلت العدوى إلى ابني ثم انتقلت إليّ فصرنا نحن الثلاثة مرضى فنظرت إلى هذا الأمر نظرة فيها تدبر وكأنها عقاب على تأخري عن أداء العمرة.
وفي العام التالي ذهبت لأداء العمرة وكان ذلك سنة 1982م في شهر (فبراير) وكنتُ عائدة في (ديسمبر) من باريس وأنا أحمل أحدث الملابس من بيوت الأزياء.. كانت ملابس محتشمة.. ولكنها أحدث موديل.. وعندما ذهبتُ واشتريت ملابس العمرة البيضاء كانت أول مرة ألبس الثياب البيضاء دون أن أضع أي نوع من المساحيق على وجهي ورأيت نفسي أكثر جمالا..
ولأول مرة سافرت دون أن أصاب بالقلق على أولادي لبُعدي عنهم وكانت سفرياتي تصيبني بالفزع والرعب خوفاً عليهم.. وكنت آخذهم معي في الغالب.
وذهبتُ لأداء العمرة مع وفد من هيئة قناة السويس.. وعندما وصلتُ إلى الحرم النبوي بدأت أقرأ في المصحف دون أن أفهمَ الآيات فهماً كاملاً لكن كان لدي إصرار على ختم القرآن في المدينة ومكة.. وكانت بعض المرافقات لي يسألنني: هل ستتحجبين؟ وكنت أقول: لا أعرف.. كنت أعلق ذلك الأمر على زوجي.. هل سيوافق أم لا... ولم أكن أعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وفي الحرم المكي وجدت العديد من الأخوات المسلمات اللائى كُنَّ يرتدين الخمار وكنت أفضل البقاء في الحرم لأقرأ القرآن الكريم وفي إحدى المرات أثناء وجودي في الحرم بين العصر والمغرب التقيتُ بإحدى الأخوات وهي مصرية تعيش في الكويت اسمها (أروى) قرأتْ عليّ أبياتاً من الشعر الذي كتبته هي فبكيت، لأنني استشعرت أنها مسّت شيئاً في قلبي وكنت في تلك الفترة تراودني فكرة الحجاب كثيراً ولكن الذي من حولي كانوا يقولون لي: انتظري حتى تسألي زوجك.. لا تتعجلي… أنت مازلتِ شابة… الخ) ولكن كانت رغبتي دائماً في ارتداء الحجاب قالت الأخت (أروى) :
فليقــولوا عـن حجابـــي *** لا وربـي لـن أبـــالــي
قـد حماني فيــه دينـــي *** وحبـــــاني بالجـــلال
زينتـي دومــاً حيـائــي *** واحتشــامي هـو مالـــي
ألأنــــي أتـــولــى *** عـــن متــاعٍ لـــزوالِ
لامنـي النـاس كـأنـــي *** أطلب الســـوء لحــالـي
كم لمحـت اللــوم منهـــم *** في حــديث أو ســــؤال
وهي قصيدة طويلة أبكي كلما تذكرتها… استشعرت تتحدث بلسان حالي… وأنها مست شغاف قلبي.
وبعد ذلك ذهبت لأداء العمرة لأخت لي من أبي توفيت وكنت أحبها كثير -رحمها الله- وبعد أداء العمرة لم أنم تلك الليلة واستشعرت بضيق في صدري رهيب وكأن جبال الدنيا تجثم فوق أنفاسي… وكأن خطايا البشر كلها تخنقني… كل مباهج الدنيا التي كنت أتمتع بها كأنها أوزار تكبلني… وسألني والدي عن سبب أرقي فقلت له: أريد أن أذهب إلى الحرم الآن… ولم يكن الوقت المعتاد لذهابنا إلى الحرم قد حان ولكن والدي -وكان مجنداً نفسه لراحتي في رحلة العمرة- صحبني إلى الحرم… وعندما وصلنا أديتُ تحية المسجد وهي الطواف وفي أول شوط من الأشواط السبعة يسّر الله لي الوصول إلى الحجر الأسود ولم يحضر على لساني غير دعاء واحد… لي ولزوجي وأولادي وأهلي وكل من أعرف… دعوت بقوة الإيمان… ودموعي تنهمر في صمت ودون انقطاع… طوال الأشواط السبعة لم أدعُ إلا بقوة الإيمان وطوال الأشواط السبعة أصل إلى الحجر الأسود وأقبّله، وعند مقام إبراهيم عليه السلام وقفت لأصلي ركعتين بعد الطواف وقرأت الفاتحة، كأني لم أقرأها طوال حياتي واستشعرت فيها معانٍ اعتبرتها منة من الله، فشعرت بعظمة فاتحة الكتاب… وكنت أبكي وكياني يتزلزل… في الطواف استشرت كأن ملائكة كثيرة حول الكعبة تنظر إلي… استشعرت عظمة الله كما لم أستشعرها طوال حياتي.
ثم صليت ركعتين في الحِجر وحدث لي الشيء نفسه كل ذلك كان قبل الفجر… وجاءني والدي لأذهب إلى مكان النساء لصلاة الفجر عندها كنت قد تبدلت وأصبحت إنسانة أخرى تماماً. وسألني بعض النساء: هل ستتحجّبين يا أخت شمس؟ فقلت: بإذن الله… حتى نبرات صوتي قد تغيرت… تبدلت تماماً… هذا كل ما حدث لي… وعدتُّ ومن بعدها لم أخلع حجابي… وأنا الآن في السنة السادسة منذ ارتديته وأدعو الله أن يُحسن خاتمتي وخاتمتنا جميعاً أنا وزوجي وأهلي وأمة المسلمين جمعاء.
توبة الشيخ أحمد القطان
الشيخ أحمد القطان من الدعاة المشهورين والخطباء المعروفين يروي قصة توبته فيقول:
إن في الحياة تجارب وعبراً ودروساً… لقد مررت في مرحلة الدراسة بنفسية متقلّبة حائرة… لقد درست التربية الإسلامية في مدارس التربية – ولا تربية – ثمانية عشر عاماً.
وتخرجت بلا دين… وأخذت ألتفت يميناً وشمالاً: أين الطريق؟ هل خلفت هكذا في الحياة عبثاً؟.. أحس فراغاً في نفسي وظلاماً وكآبةً.. أفر إلى البر… وحدي في الظلام لعلي أجد هناك العزاء، ولكن أعود حزيناً كئيباً.
وتخرجت في معهد المعلمين 1969م وفي هذه السنة والتي قبلها حدث في حياتي حدث غريب تراكمت فيه الظلمات والغموم إذ قام الحزب الشيوعي باحتوائي ونشر قصائدي في مجلاتهم وجرائدهم. والنفخ فيها. وأخذوا يفسرون العبارات والكلمات بزخرف من القول يوحي به بعضهم إلى بعض حتى نفخوا فيّ نفخة ظننت أنني أنا الإمام المنتظر؟
وما قلت كلمة إلا وطبّلوا وزمّروا حولها… وهي حيلة من حيلهم. إذا أرادوا أن يقتنصوا ويفترسوا فرداً ينظرون إلى هويته وهوايته ماذا يرغب… يدخلون عليه من هذا المدخل.
رأوني أميل على الشعر والأدب فتعهّدوا بطبع ديواني نشر قصائدي وعقدوا لي الجلسات واللقاءات الأدبية الساهرة… ثم أخذوا يدسون السم في الدسم.
يذهبون بي إلى مكتبات خاصة ثم يقولون: اختر ما شئت من الكتب بلا ثمن فأحمل كتباً فاخرة أوراقاً مصقولة… طباعة أنيقة عناوينها: (أصول الفلسفة الماركسية)، 0المبادئ الشيوعية) وهكذا بدءوا بالتدريج يذهبون بي إلى المقاهي الشعبية العامة، فإذا جلست معهم على طاولة قديمة تهتز… أشرب الشاي بكوب قديم وحولي العمال… فإذا مرّ رجل بسيارته الأمريكية الفاخرة قالوا: انظر، إن هذا يركب السيارة من دماء آبائك وأجدادك… وسيأتي عليك اليوم الذي تأخذها منه بالثورة الكبرى التي بدأت وستستمر… إننا الآن نهيئها في (ظفار) ونعمل لها، وإننا نهيئها في الكويت ونعمل لها، وستكون قائداً من قوادها.
وبينما أنا اسمع هذا الكلام أحسّ أن الفراغ في قلبي بدأ يمتلئ بشيء لأنك إن لم تشغل قلبك بالرحمن أشغله الشيطان… فالقلب كالرحى… يدور… فإن وضعت به دقيقاً مباركاً أخرج لك الطحين الطيب وإن وضعت فيه الحصى أخرج لك الحصى.
ويقدّر الله – سبحانه وتعالى - بعد ثلاثة شهور أن نلتقي برئيس الخلية الذي ذهب إلى مصر وغاب شهراً ثم عاد.
وفي تلك الليلة أخذوا يستهزئون بأذان الفجر… كانت الجلسة تمتد من العشاء إلى الفجر يتكلمون بكلام لا أفهمه مثل (التفسير المادي للتاريخ) و (الاشتراكية والشيوعية في الجنس والمال) …ثم يقولون كلاماً أمرّره على فطرتي السليمة التي لا تزال… فلا يمرّ…أحس أنه يصطدم ويصطكّ ولكن الحياء يمنعني أن أناقش فأراهم عباقرة… مفكرين… أدباء… شعراء… مؤلفين كيف أجرؤ أن أناقشهم فأسكت.
ثم بلغت الحالة أن أذّن المؤذّن لصلاة الفجر فلما قال (الله أكبر) أخذوا ينكّتون على الله ثم لما قال المؤذن (أشهد أن محمّدا رسول الله) أخذوا ينكّتون على رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
وهنا بدأ الانفعال الداخلي والبركان الإيماني الفطري يغلي وإذا أراد الله خيراً بعباده بعد أن أراه الظلمات يسرّ له أسباب ذلك إذا قال رئيس الخلية: لقد رأيت الشيوعية الحقيقية في لقائي مع الأبنودي الشاعر الشعبي بمصر وهو الوحيد الذي رأيته يطبّقها تطبيقاً كاملاً.
فقلت: عجباً… ما علامة ذلك؟!!.
قال: (إذا خرجنا في الصباح الباكر عند الباب فكما أن زوجته تقبله تقبلني معه أيضاً وإذا نمنا في الفراش فإنها تنام بيني وبينه…) هكذا يقول… والله يحاسبه يوم القيامة فلما قال ذلك نَزَلَتْ ظلمة على عينيّ وانقباض في قلبي وقلت في نفسي: أهذا فكر؟!! أهذه حرية؟!! أهذه ثورة؟!! لا وربّ الكعبة إن هذا كلام شيطاني إبليسي!!
ومن هنا تجرأ أحد الجالسين فقال له: يا أستاذ مادمت أنت ترى ذلك فلماذا لا تدع زوجتكم تدخل علينا نشاركك فيها؟ قال: (إنني ما أزال أعاني من مخلفات البرجوازية وبقايا الرجعية. وسيأتي اليوم الذي نتخلص فيه منه جميعا...)
ومن هذه الحادثة بدأ التحول الكبير في حياتي إذ خرجت أبحث عن رفقاء غير أولئك الرفقاء فقدّر الله أن ألتقي باخوة في (ديوانية)
كانوا يحافظون على الصلاة... وبعد صلاة العصر يذهبون إلى ساحل البحر ثم يعودون وأقصى ما يفعلونه من مأثم أنهم يلعبون (الورقة).
ويقدّر الله أن يأتي أحدهم إلىّ ويقول: يا أخ أحمد يذكرون أن شيخاً من مصر اسمه (حسن أيوب) جاء إلى الكويت ويمدحون جرأته وخطبته، ألا تأتي معي؟ قالها من باب حبّ الاستطلاع..
فقلت: هيا بنا.. وذهبت معه وتوضأت ودخلت المسجد وجلستُ وصليتُ المغرب ثم بدأ يتكلم وكان يتكلم واقفاً لا يرضى أن يجلس على كرسي وكان شيخاً كبيراً شاب شعر رأسه ولحيته ولكن القوة الإيمانية البركانية تتفجر من خلال كلماته لأنه كان يتكلم بأرواح المدافع لا بسيوف من خشب.
وبعد أن فرغ من خطبته أحسستُ أني خرجت من عالم إلى عالم آخر.. من ظلمات إلى نور لأول مرة أعرف طريقي الصحيح وأعرف هدفي في الحياة ولماذا خلقت وماذا يراد مني وإلى أين مصيري..
وبدأت لا أستطيع أن أقدم أو أؤخر إلا أن أعانق هذا الشيخ وأسلّم عليه.
ثم عاد هذا الأخ يسألني عن انطباعي فقلت له: اسكت وسترى انطباعي بعد أيام..
عدتُ في الليلة نفسها واشتريت جميع الأشرطة لهذا الشيخ وأخذتُ أسمعها إلى أن طلعتِ الشمس ووالدتي تقدم لي طعام الإفطار فأردّه ثم طعام الغداء وأنا أسمع وأبكي بكاءً حارّاً وأحسّ أني قد ولدتُ من جديد ودخلتُ عالماً آخر وأحببتُ الرسول صلى الله عليه وسلم، وصار هو مثلي الأعلى وقدوتي وبدأتُ أنكبُ على سيرته قراءةً وسماعاً حتى حفظتها من مولده إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، فأحسستُ أنني إنسان لأول مرة في حياتي وبدأت أعود فأقرأ القرآن فأرى كل آية فيه كأنها تخاطبني أو تتحدث عني (أوًمنْ كانَ ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها…) سورة الأنعام
نعم.. لقد كنت ميتاً فأحياني الله… ولله الفضل والمنة… ومن هنا انطلقتُ مرة ثانية إلى أولئك الرفقاء الضالين المضلين وبدأت أدعوهم واحداً واحداً ولكن… (إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين)… أما أحدهم فقد تاب بإذن الله وفضله، ثم ذهب إلى العمرة فانقلبتْ به السيارة ومات وأجره على الله.
وأما رئيس الخلية فقابلني بابتسامة صفراء وأنا أناقشه أقول له: أتنكر وجود الله؟!! وتريد أن تقنعي بأن الله غير موجود؟!! فابتسم ابتسامة صفراء وقال: يا أستاذ أحمد.. إنني أحسدك لأنك عرفت الطريق الآن.. أما أنا فاتركني.. فإن لي طريقي ولك طريقك.. ثم صافحني وانصرفت وظل هو كما هو الآن؟
وأما البقية فمنهم من أصبح ممثلاً ومنهم من أصبح شاعراً يكتب الأغاني وله أشرطة (فيديو) يلقي الشعر وهو سكران... وسبحان الذي يُخرج الحي من الميت... ومن تلك اللحظة بدأت أدعو إلى الله رب العالمين.
جون والإيدز قصة من الواقع
بقلم الدكتور عبد الحميد قضاة
اختصاصي تشخيص الأمراض الجرثومية والأمصال (بريطانيا )
مدير المختبرات التخصصية ـ اربد
الحصاد المر
ما ذكر مؤرخ قط انتشار الأمراض الجنسية، إلا وذكر التحلل من القيم العليا، وتغير النظرة إلى الجنس، وتوجه الناس نحو المادة، وغياب الفضيلة من المجتمع، ولمثل هذا كان يدعو فرويد بقوله : " إن الإنسان لا يحقق ذاته بغير الإشباع الجنسي.. وكل قيد من دين، أو أخلاق، أو تقاليد هو قيد باطل، وهو كبت غير مشروع ".
ولمثل هذا تعمل الحركة الصهيونية، حيث تقول بروتوكولاتها:" يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان، فتسهل سيطرتنا.. إن فرويد منا، وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس، كي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الأكبر هو إرضاء غرائزه الجنسية، وعندئذ تنهار أخلاقه ".
وبالفعل انهارت أخلاقه، وأثمرت جنوناً جنسياً محموماً، وثورة جنسية عارمة، تؤججها الأزياء، وأدوات والتجميل والكتب الخليعة والمجلات الهابطة، والأفلام الداعرة، تظلل كل ذلك الحرية الشخصية.
أما الأدب والفن والإذاعة والسينما والتلفاز، والصحافة بما لها من قوة الدعوة، ومغريات العرض والتسويق، فجلها أدوات هدّامة، شعارها الجنس، ومادتها المرأة، بإغرءاتها التي لا يكاد يخلو منها إعلان أو لقطة !!
فسد الشباب، وأنهارت أخلاقهم، وتلاشت بنظرهم قيمة الفضيلة، وتحرروها من كل دين وعرف وتقليد، حتى أصبح اللواط والسحاق، والممارسات الجماعية للجنس ونوادي الشذوذ والعراة، وعلب الليل والأفلام الجنسية، والصور الخليعة، و.. الخ كل هذا بات السمة المميزة للمجتمعات البشرية في أنحاء الأرض. كل هذا جاء حصيلة أوضاع وقيم عقائدية وفكرية، ونظريات وضعية مخطط لها .. ولم تكن وليدة الصدفة!!
والنتيجة .. مشاكل كثيرة، تحل بالإنسان، ينوء بحملها، ويئن من وطأتها، مما كسبت يداه، وهو يلج القرن الجديد، ومن هذه المشاكل ما أعلنته منظمة الصحة العالمية، من أنها تواجه مشكلة صحية عالمية، يتفاقم خطرها يوماً بعد يوم، تتمثل في الأمراض الجنسية، التي قفزت إلى رأس قائمة الأمراض المعدية.
هذه المشكلة الجديدة، التي فرضت نفسها على العالم، رغم الرؤوس النووية والأقمار الصناعية.. والتقدم التكنولوجي المذهل، والحضارة المادية التي يتفيأ ظلالها الإنسان، تهدد مصيره وتفسد عليه عيشه، وتصيبه في الصميم، وتنكبه في زهرة شبابه، فهي مشكلة مخيفة، تعكس آثارها وأبعادها إلى الفرد والدولة، على الفرد بآثارها الجسمانية المادية والنفسية، وعلى الدولة بأبعادها الاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية.
ورغم هذا التقدم الطبي العظيم، الذي نسمع عنه في العالم، إلا أن الأمراض الجنسية لا زالت بازدياد من حيث النوع، ومن حيث أعداد المصابين، ورقم توفر الدواء لبعضها، وعدم وجوده لبعضها الآخر، إلا أن الإصابات بتصاعد مستمر، وخاصة فيما يخص آخر هذه الأمراض ظهوراً وهو " الإيدز " الذي لم يزد عمره المعروف عن عقدين من الزمن.
هذا المرض الذي أحدث رعباً وفزعاً كبيرين عند ظهوره، وخاصة وأنه كان يقتل المصابين أمام سمع وبصر الأطباء، وفي عواصم الطب في العالم، وليس باستطاعتهم تقديم شيء لإنقاذهم.
هذا المرض الذي يفتك بجسم المصاب شيئاً فشيئاً، حتى تضيق عليه الدنيا بما رحبت، بل تضيق عليه نفسه التي بين جنبيه، ويتمنى الانتحار، حتى يفر مما هو فيه، وقد قالها أحدهم : " إننا نموت ألف مرة في الأذى النفسي، قبل أن توارى أجسادنا التراب"، لهذا يتعاطف كثير من الأطباء والممرضين معهم، ويتجاوبون مع توسلات المصابين، لإعطائهم بعض الأدوية، لقتلهم بدعوى الرحمة بهم، للتخلص من شدة الألم الجسمي والنفسي (1).
" .. أنا بانتظار القدر، إنه يدق بابي استمع إلى صوته في أعماقي، لم أكن أود أن أتعذب هكذا.. ومن خلال هذا المرض اللعين ـ الإيدز ـ سرطان العصر.. ورغم ابتسامات الكثيرين.. وتهنئتي بالتماثل للشفاء.. إلا أنني على موعد مع القدر.. إنه يدق بابي .. اللحظات الأخيرة .. كلمات نطق بها أحد مرضى الإيدز قبيل موته، إنه روك هدسون، الذي تربع عرش السينما، فلم يكن ينقصه مال ولا شهرة، قالها وهو على فراش الموت، بعد أن هدّته آلام الإيدز.
هذا المرض ـ الإيدز ـ يتلف جهاز المناعة، فيصبح جسم المريض مستباحاً للجراثيم الانتهازية، تنهشه من كل جانب، فلا يعرف من أين يشكو، ولا مما يشكو، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت!!
التهابات بلعومية، وأخرى صدرية حادة تكاد تخنقه، فيصبح مزرقاً لدرجة الاختناق، وأخرى معوية تسبب له اسهالات شديدة، لا تتجاوب مع الأدوية، فتسبب فقداناً لسوائل الجسم، وتؤدي إلى ما يشبه الجفاف، ونقصان حاد في الوزن، وسرطانات جلدية، وأخرى ليمفاوية، تقضي على البقية الباقية من جهاز المناعة.
والنتيجة .. شكوى من كل جانب، وتلف في كل جهاز، وهزال رهيب وجسم متهتك، ونفسية منهارة، وجراثيم بالمليارات تسرع وتمرح، وتعيث فساداً وهدماً في جسم المريض، دون اعتراض أو مقاومة من قوات جهاز المناعة التي انهارات، وبالتالي هلاك محقق لا محالة.
هذه هي النهاية الحتمية، لكل من يتجاوز حدود الفطرة البشرية، في تصريف الشهوة الجنسية إلى الشذوذ والزنا، وهذه نهاية طبيعية لمن يستعجل الأمر قبل أوانه، وفي غير مكانه، نهاية خاسرة فلا متاع في الدنيا، ولا أمل في الآخرة!!
وقصة ( جون ) الشاب الإنجليزي الذي كان يمارس الشذوذ، هي قصة واقعية من بين ملايين القصص، تعكس بصدق بعض معاناة مرضى الإيدز، كما تعرض كيفية تشخيصه ومعالجته ثم تطورات المرض وأعراضه وما استلزم ذلك من احتياطات دقيقة وعناية مركزة، وخدمات طبية متقدمة، ثم النتيجة المحتومة رغم كل الاحتياطات والتكاليف الباهظة، وقد أستقيت تفاصيلها بدقة، ساعة فساعة، ويوماً فيوم، من السجل الطبي لهذا المريض.
وهذه القصة نسوقها لشبابنا، وشاباتنا، علهم يتعضون ويبتعدون عن مزالق الشذوذ، ومستنقعات الرذيلة، فالسعيد من اتعظ بغيره، واتبع داعي الخير، وأبعد نفسه عن هواها، لأن الشذوذ والزنا مدعاة لغضب الله، ومجلبة لعقوبته.
جون والإيدز قصة من الواقع
(جون) شاب في مقتبل العمر، يسكن في قرية صغيرة قرب مدينة مانشستر (بريطانيا)، له شقيقتان متزوجتان، ولا زال والده على قيد الحياة، ورغم أن جون، قد أمضى عمره الذي لم يزد على الثالثة والثلاثين في صحة جيدة، إلا أنه كان يعاني من حساسية خاصة، ضد مساحيق الغسيل، كما كان شاذاً جنسياً، حيث كانت له علاقات جنسية خاصة مع مجموعة من أصدقائه.
وفي السنتين لأخيرتين من عمره، بدأت تظهر عليه علامات مرض الإيدز نقص كريات الدعم الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية ثم إنهاك عام، تعرض ليلي، نقص في الوزن، هجمات متكررة من الانتانات الفطرية الانتهازية، في الفم والحلق، وكذلك التهابات صدرية متكررة، كما ظهرت عليه ثآليل الأعضاء الجنسية (2).
وقد لاحظ وجود بقع حمراء على بطنه، ثم أصيب بالتهاب حاد في صدره، عولج من الالتهاب، لكن البقع ازدادت عدداً، وتقاربت شكلاً، حيث أصبحت بيضوية الشكل وفي تشرين الأول من عامه الثالث والثلاثين، انتشرت هذه البقع على منطقة الصدر والبطن والأنف، وكانت غير مؤلمة، ولا تستدعي الحكة، فحوّله طبيبه المعالج إلى أختصاصي باطنية، فحوّله هذا إلى أخصاصي جلدية وتناسلية، حيث تم أخذ خزعة من هذه البقع لفحصها، ثم ألحقت بثانية فتبين أن هذه البقع لمرض سرطاني، يُصيب الجلد في هذا العمر عند مرضى الإيدز، يسمى ( كابوسي ساركوما) (3)وبعدها حُوِّل إلى أخصاصي في علم المناعة، لفحصه بخصوص الإيدز فوجد أنه مصاب به.
في الأسبوع الأول من ثبوت الإصابة، أدخل (جون) مستشفى مونسال ( وهو مستشفى خاص بالأمراض المعدية في مدينة مانشستر)، ووضع في غرفة خاصة لعزله، وبعد الفحوصات (الروتينية) كُتب على إضبارته المعلومات التالية:
الحرارة (37.3مْ) النبض (112) ، التنفس (22) الضغط (110/90) كانت البثور والبقع السرطانية قد غطت جزءاً كبيراً من جسمه، كما غطت لسانه طبقة بيضاء مع وجود تقرحات في فمه نتيجة الالتهابات الانتهازية الفطرية التي سببتها له جرثومة الكانديديا (4).
خصص للممرضات ملابس واقية، وطلب إليهن خلعها في مكان خاص، بعد الخروج من غرفة (جون) مباشرة، كما منع أي طبيب أو ممرضة، في جسمه جروح أو خدوش أو التهابات، من ا لدخول في غرفته كما مُنعت الممرضات الحوامل الدخل أيضاً، أما أغطية سريره وكل ما كان يستعمل داخل غرفته مثل الشاش والقطن وحافظات الإبر والحقن وغيرها، فكانت توضع في أكياس خاصة وتُغلق بإحكام وتُتلف، زمان في الغرفة صينية (وعاء خاص) يحوي جهازاً صغيراً لفحص الأذن، وآخر لفحص العيون، وسماعة وميزان حرارة ومطهرات وغيره، مما يحتاجه الطبيب لفحص (جون) فقط حيث يُمنع استعمالها لأي مريض آخر، كما كان فيها حاويات صغيرة لجمع البول والبراز حيث تُستعمل لمرة واحدة ثم تُتُلف.
جلس (جون) في غرفته وحيداً، كان متعاوناً، هادئاً قليل الطلبات.. لم يُترك وحيداً لمدة طويلة بل كانت الممرضات يقضين معه بعض الوقت بالتناوب لتخفيف مُصابه ووحدته وقد وُضع له برنامج لقياس حرارته، ونبضه وتنفسه كل أربع ساعات ولتسجيل مرات طعامه وبوله وبرازه بانتظام.
وكان يُجاب على أسئلته بكل صراحة ووضوح، حيث كان يسأل بين الفينة والأخرى عن هذا المرض الجديد ما سببه؟؟ وما علاجه ؟؟ وكيف يمكن التخلص منه ؟؟ وهل يعقل أن الشذوذ ينقله؟؟؟
وعند إجراء الفحوصات لدمه وُجد أن عدد الكريات الدم البيضاء(3900)ْ والهيموغلوبين (4، 13) وقد كان يُفحص باستمرار لمراقبة تطور أي من الالتهابات الانتهازية، التي يمكن أن تبدأ في أي وقت ونظراً للسعال الجاف الذي بدأ عنده، تم تصوير صدره شعاعياً، كما صورت كل البثور السرطانية المنتشرة على جلده وفي فمه.
ومع نهاية الأسبوع الأول من ثبوت التشخيص بدأت عليه حرارة خفيفة، بشكل مستمر فأعيد تصوير صدره كما أخذت له عينة من النخاع الشوكي وخزعة لفحصها وبعدها أصبح يُعاني من صعوبة في التنفس، وبدأ لونه يميل إلى الزرقة، لذا رُكَّب له الأوكسجين لمساعدته، وبدأ الوهن يزداد في جسمه، واصبح يعاني من صعوبة في البلع، وشعور بالحاجة للتقيؤ وعدم قدرة على الكلام دون سعال، ومع أن الأطباء والممرضات كانوا يُهونون عليه، إلا أن عُسر الازدراد، والسعال كانا بازدياد شيئاً فشيئاً، فأعطي علاجاً خاصاً بالتهاب الصدر الحاد، كما أعطي باراسيتامول للتخلص من الصداع، الذي أصابه بعد أخذ عينة من النخاع الشوكي.
كانت شكواه من الشعور بالتقيؤ مستمرة، وقد تقيأ عدة مرات، من جراء علاج التهاب الرئتين، الذي كان يتناوله بواسطة الفم، فتم تحويله إلى الوريد مع بعض السوائل التي كانت تعطى له باستمرار، مع المراقبة الحثيثة لاكتشاف أية بداية لالتهاب انتهازي، ومع هذا، أصيب بالطفيل الذي يسبب التهاب الرئة الحاد(Pneumocysit carinii) ومع نهاية الأسبوع الثاني قل شعوره بالتقيؤ كما أصبح التنفس عنده أسهل، ورغم استمرار السعال الجاف، إلا أن حرارته كانت 38م، وفي اليوم التالي، بدأ يشكو من الإمساك فأعطى علاجاً لذلك، ثم بدأ يشكو في اليوم الثالث من صداع شديد عند الوقوف، أما عند الاضطجاع فيزول كلياً، واستمرت حرارته 38م، وصاحب ذلك احمرار على خديه وحاجبه الأيمن وكان سرعة تنفسه قد ازدادت فا‘طي سوائل أكثر، وتراجعت كريات الدم البيضاء إلى (3500).
في نهاية الأسبوع الثالث، أصبح يتقيأ بعد تناول الحليب والشوكولاته، وبدأ يشكو من الإمساك، فأعطي تحاميل ملينة، لكن أثرها كان خفيفاً، فأستأذن أن يأخذ نوعاً آخر من الملين، كان يستعمله في السابق، كما أعطي علاجاً خاصاً للفطريات (نيستاتين) أربع مرات يومياً بعد الأكل، كما أعطي بخاخاً للتنفس (فنتولين) أربع مرات كذلك، وبقي (جون) طريح الفراش طوال يومه، وأخذ الوهن منه كل مأخذ، كما غطى الطفح الجلدي الوجه والجبهة، كما كان التبول قليلاً، ولذا وضع تحت المراقبة، وزيدت له السوائل اللازمة بدقة، وعند الاستحمام الخفيف الذي رُتّب له، وجدت عدة مناطق متحجرة، وغير مؤلمة على مقعدته، عللها الطبيب المعالج بأنها ناتجة عن كثرة النوع والإضطجاع وفي اليوم الثاني بدأ يشعر بصعوبة في التنفس، لذلك أعيد له الأكسجين (35%) كان يحتاج للأكسجين كل وقته، وكان سعاله مستمراً دون تحسن حتى أصبح تنفسه طبيعياً وبعد معاينة الصور الشعاعية التي أخذت لصدره تبين وجود التهابات في الرئتين دون معرفة سبب ذلك، كانت حرارته (38مْ) وعدد كريات الدم البيضاء(2600)، ورغم أنه لا يتناول إلا الطعام الخفيف، إلا أنه استمر في الشكوى من عسر الازدراد.
كان أقاربه قلقين عليه عند زيارتهم له هذه المرة، وقابلوا الطبيب المعالج، وفي الأسبوع الرابع صورت معدته شعاعياً فوجدت طبيعية، فأعتقد الطبيب أن سبب عسر الابتلاع ناتج عن الالتهاب الذي تحدثه جرثومة الكانديديا في الحلق، كانت إبرة المغذي (الجلوكوز) قد تحركت قليلاً فأزالها الطبيب وأعطاه (Nystatin) على شكل سائل مع فلواوكساسلين، كل ست ساعات بواسطة الوريد، كما أعطي (1000) ملغم من (Pentamadine)، بالعضل مرتين يومياً، للقضاء على التهاب الرئتين، وكان لهذا العلاج الأخير مضاعفات جانبية عليه، منها الهبوط المفاجئ في الضغط، ودقات القلب فوضع تحت المراقبة المركزة إذ كان يقاس ضغطه ونبضه كل ربع ساعة لمدة ساعة، ثم كل نصف ساعة، وقد اشتد عليه السرطان، فأعطي (258) ملغم اتوبوسايدز (Etoposides) يومياً ثلاثة أيام.
وفي الليل حصلت له صعوبة شديدة في التنفس، فوضع له الأكسجين، وفتحت النوافذ والأبواب، واستدعي الطيب على عجل، وكان يختنق، ولما وصل الطبيب زاد الأكسجين في الغرفة، وأمر به أن يبقى باستمرار، وفي اليوم التالي كان (جون) يبدو أقل اختناقاً وزرقة ما كان عليه، رغم ازدياد السعال الجاف، وقد عزلت بكتيريا من البلغم الذي كان يخرج منه، ونتيجة للإيدز وبعض علاجات السرطان (Cytotoxic Drugs) فقد ازدادت درجة نقصان المناعة عنده، فكثفت المراقبة، وازدادت احتياطات الممرضات قبل وبعد الخروج من عنده، كلبس القفازات والكمامات والملابس الخاصة، وحتى لا يحصل أي التهاب، فقد كان يقدم له الطعام والشراب ساخناً لضمان خلوه من الجراثيم، كما منعت عنه الأطعمة غبر المطبوخة كالجبنة وغيرها، كما كانت المنطقة التي سيأخذ بها الحقنة تنظف جيداً باستعمال (2%) بنتا دين، وتغطى بقطعة شاش معقمة لمدة (15) دقيقة، وفي صباح اليوم الثاني، كان (جون) لازال منهكاً، إلا أنه أحسن من الليلة الماضية، وكان دمه يفحص كاملاً، بمعدل مرتين في الأسبوع، وكانت الكرات البيضاء تهبط تدريجياً، فقد كانت 1400خلية /مليمتر مكعب من الدم.
ومع نهاية الشهر الأول تحسن (جون) نتيجة الاستعمال المستمر لعلاج الفطريات، وقد حُول للمعالجة الحكمية، لممارسة تمارين خاصة بالصدر، وكان لها آثار جيدة، وأمر الطبيب بإحضاره حالما ترتفع درجة حرارته لزراعة دمه، ونتيجة لتحسنه، أزيل الأوكسجين، ولكنه بعد سويعات بدأ بالأختناق، والميل إلى الزرقة، فأعيد له الأكسجين كما كان، وأعطاه الطبيب (500) ملغم من المضاد الحيوي فانكومايسين (Vancomycin) مع واحد غرام نيومايسين (Neomycin) بواسطة الفم كل ست ساعات، وفي اليوم التالي، أصبح جون لا يستطيع التنفس، مع الشكوى من حدوث تقلصات عضلية في صدره ومقعدته، وكتفيه، ورغم ذلك أصر الطبيب على مواصلة علاجه بنفس الحقن، وسرعان ما تخلص من الانقباضات العضلية، وأصبح التنفس أسهل من ذي قبل، علل الأطباء ذلك أنه كان نتيجة لعلاج السرطان، ونتيجة للحقن الخاصة بالتهاب الرئتين، ومع هذا التحسن، كان عدد كريات الدم البيضاء في اليوم التالي (1300)، والهيموجلوبين (3، 10) وقد استمر هذا التحسن طوال أسبوع، وانعكس إيجابياً على صحته بشكل عام، وعلى البقع السرطانية بشكل خاص، وكذل على صدره والبلغم الذي نقص كثيراً.
وبشكل مفاجئ أصيب جون بانتكاس حاد، ففي الأسبوع الأول من الشهر الثاني لمعالجته، بدأت تظهر عليه علامات غريبة، فقد بح صوته، ورافق ذلك شرود في ذهنه، ولا مبالاة مع تجاهل للكثير من الأسئلة، وأصبح يتمتم وشكله أقرب ما يكون للمخمور، ثم دخل في شبه غيبوبة، وقد تبين أن سبب هذا هو هبوط شديد في سكر الدم، فأعطى (50) مللتر من محلول سكري، في الوريد وزادت الرقابة على البول والحرارة والنبض والتنفس، وفي صباح اليوم التالي كان يتصرف بغرابة أكثر، وأصيب ثانية بنقص شديد في سكر الدم، فأعطي في الحال محلول سكري لمعادلة ذلك، وتبين أن سببه هو علاج بنتاميدين (Pentamadine) فأوقف فوراً، وكذلك المضادات الحيوية التي كان يأخذها، وأعطى بدلاً منها، غراماً واحداً سفتازادين (Ceftazadine) مع (80) ملغم من جنتامايسين (Gentamicin) كل ثماني ساعات في العضل.
وفي نهاية الأسبوع الأول من الشهر الثاني، أصيب (جون) بحساسية عامة في جميع أجزاء جسمه، ثم تبعها ارتفاع الحرارة (39ْم) ثم زيادة في البلغم، مع تغيير في اللون (أخضر)، وكانت كريات الدم البيضاء (780) فقط، أما الهيموجلوبين فقد كان (2، 8)غرام، وفي الأيام القليلة التي تبعت ذلك كانت الحرارة تتحسن قليلاً علماً أنه أعطي ثلاث وحدات من الدم، وكان تحت المراقبة الحثيثة وفي نهاية الأسبوع الثاني من الشهر الثاني، كان الهيموجلوبين (6، 9)، وكريات الدم البيضاء (1200)، وكانت حالته ما بين مد وجزر ولما كانت له رغبة في أن يحتفل بعيد ميلاده برفقة أصحابه، فقد سمح له الطبيب بمغادرة المستشفى، شريطة أن يعتني به زملاؤه عناية فائقة، ورغم الكميات الكبيرة من العلاجات الفعالة، والمراقبة الحثيثة المستمرة، إلا أن الانتانات الانتهازية كانت له بالمرصاد، فبعد أن أحتفل بعيد ميلاده الرابع والثلاثين، كان الموت الأسود بإنتظاره، فمات مزرقاً مختنقاً نتيجة التهاب الرئة الحاد لتطوى صفحة من صفحات العذاب التي عاشها (جون).
وبعد..
هذا الشاب في عنفوان قوته، في العقد الثالث من عمره، في زهرة شبابه.. الأصل أن لا يعرف المرض في هذا السن.. إلا أن الشذوذ قلب حياته رأساً على عقب.. فتارة يزرق ويكاد يختنق، وأخرى لا يستطيع الازدراد.. أو يصاب بسعال جاف وحاد.. ثم حمى وإلتهابات صدرية أو معوية متكررة، يأتيه الألم من كل جانب وما هو بميت .
فتارة الأكسجين على الأنف، وأخرى حقن في العضل أو سائل في الوريد .. وثالثة الأثافي علاجات سرطانية، آلامها لا تقل عن المرض ذاته.. حتى ضاقت على جون نفسه التي بين جنبيه، وإنهارت قواه وانهدت، حتى أصبح لا يقوى على خدمة نفسه.
والإنسان عادة يعيش بمشاعر ساعته.. فإن كان صعبة مريرة، شعر وكأنه لم يذق في حياته نعيماً قط.. فكيف إذا كان كل ذلك بسبب خروجه على الفطرة وبمحض إرادته.. ولا شك أن الأمر يكون أصعب عندما يتذكر أنه كان يمكن تجنبه .. فيندم حتى يقتله الندم ولات حين مندم..
والسعيد من اتعظ بغيره ولم يتبع نفسه هواها.
حقائق وأرقام
· لم يحظ مرض في السابق بإهتمام العالم أجمع، وعلى كافة المستويات الرسمية والشعبية والمحافل العلمية، كالذي حظي به مرض الإيدز.
· تؤكد الحقائق الملموسة أنه لا علاج لهذا المرض، وأن العلماء حتى الآن لم يكون بمقدورهم تطوير مصل واق منه، رغم كل الأبحاث والإعلانات، التي تظهر بين الفينة والأخرى في وسائل الإعلام المختلفة.
· الإصابات بهذا المرض بإزدياد مستمر ومذهل، رغم الجهود الجبارة التي بذلت وتبذل على المستوى العالمي، من قبل منظمة الصحة العالمية، وعلى المستوى الإقليمي من قبل الدول المختلفة، ولا زالت إفريقيا في المقدمة، يليها دول أوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا، فهي الأكثر تسارعاً وازدياداً في عدد الإصابات.
· فعدد الذين يصابون بفيروس الإيدز أحد عشر شخصاً في الدقيقة الواحدة، وهذا يعني أن عدد المصابين الجدد يزداد يومياً (16000) (ستة عشر ألفاً) تقريباً على مستوى العالم، منهم حوالي عشرة آلاف إصابة يومية في جنوب الصحراء الأفريقية، ومن يجد منهم علاجاً سيعمل لحوالي عشرة سنوات .. إلا أنهم سيموتون قبل وصولهم سن التقاعد.
· تقدر منظمة العمل الدولية، أكل موظف مصاب بالإيدز، سيخسر 15 سنة من حياته العملية.
· عدد الذين اصيبوا بالفيروس عام 2005م فقط هو ستة ملايين شخص.
· مات بسبب الإيدز عام 2005م أكثر من ثلاثة ملايين إنسان.
شكل توضيحي لهيكل فيروس الإيدز
· عدد الذين قضوا نحبهم بسبب هذا المرض في العالم للآن 28 مليون إنسان.
· خمسون في المئة (50%) من المصابين تتراوح أعمارهم بين (15_24 ) عاماً.
· عدد الإصابات اليومية في نيويورك وحدها ثلاث وتسعون(93) إصابة، كما جاء في إحدى نشرات مركز مراقبة الأوبئة في أمريكا.
· خمس عشر مليون طفل يتيم بسبب الإيدز حتى الآن في العالم.
· يقتل الإيدز يومياً ثمانية آلاف شخص، منهم خمسة آلاف وخمسمائة إنسان جنوب الصحراء الأفريقية.
· ثلاث وأربعون (43) مليوناً عدد المصابين الأحياء المعلن عنهم رسمياً، غير أن بعض العلماء يشككون في صحة هذا الرقم، بسبب نقص التقارير والإحصاءات في كثير من دلو العالم.
· يوجد 6 مليون مريض بالإيدز بحاجة ماسة جداً إلى العلاج.
· تبلغ تكلفة علاج المريض الواحد بالإيدز في أمريكا 100ألف دولار.
· العلاجات المتوفرة مكلفة جداً، وهي لتخفيف سرعة تكاثر الفيروس داخل جسم المصاب، وبالتالي وقف تدهور حالته، ولكن لا تساعد على الشفاء من المرض.
· 11% من ذريات فيروس الإيدز المعروفة مقاومة للعلاجات المتوفرة حيث لا تتأثر بها وتبقى على سرعتها في التكاثر داخل الجسم.
· ظهرت ذريات جديدة من فيروس الإيدز في مناطق جغرافية مختلفة لأسباب معظمها غير معروف علمياً.
· مع أن القارة الأفريقية لا زالت في المقدمة من حيث عدد الإصابات إلا أن الأعداد تتزايد بسرعة في روسيا، وجنوب شرق آسيا، بين صفوف الشباب، ليس فقط في المناطق السياحية، ولكن حيث وُجد البغاء والشذوذ والفقر والجهل.
· كل وحدات الدعم تخضع للفحص المخبري، لإثبات خلوها من الفيروس، قبل إستعمالها، ولذلك لم يعد الدم سبباً مهماً في نشر الفيروس.
· كان المتوقع أن تنخفض عدد الإصابات بعد السيطرة على دور والتبرع بالأعضاء وما شابه ذلك.. إلا أن المفاجأة كانت ازدياد الإصابات يوماً عن يوم، لذلك أدرج هذا المرض مع سلسلة الأمراض المنقولة جنسياً لأن الزنا والشذوذ هما السبب في نشره.
· التثقيف والتوعية بكل الوسائل هو السلاح الوحيد لمنظمة الصحة العالمية، في مكافحتها للإيدز على مستوى العالم أجمع .. مع ضرورة التركيز على تثقيف صغار السن (10ـ 24) عاماً لأنهم في مرحلة تطوير السلوك.
· أعلنت منظمة الصحة العالمية، أن منطقة الشرق الأوسط فيها 510.000إصابة بفيروس الإيدز، ورغم أنها أقل نسبياً من غيرها بسبب الإلتزام الديني وتحريم الزنا والشذوذ، إلا أن الإخفاء سيضاعف الوباء.. والمنطقة مهددة كغيرها، إذا لم يقم كل بمسؤولياته تجاه مكافحة هذا الوباء، بالتثقيف والتوعية وأخذ الإحتياطات اللازمة، والممكنة لنصح المصابين، وإحسان التعامل معهم ومع أسرهم.
· أنا على يقين بأن العلماء ـ عاجلاً أو آجلاً ـ سيكتشفون علاجاً قاتلاً لفيروس الإيدز مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله عز وجل " رواه مسلم. لكن اكتشاف العلاج وحده لن يوقف المرض أو يحد من انتشاره، بدليل وجود أمراض جنسية كثيرة، علاجاتها متوفرة وبكثرة، إلا أنها بازدياد مستمر خاصة بين صفوف الشباب.
· العلاج الحقيقي والجذري الذي يحد من انتشار الإيدز والأمراض المنقولة جنسياً، ويعمل على مكافحتها يكمن في حُسن تربية الأجيال، وتنشئتهم حسب التعاليم السماوية، التي تُحرِّم كل الوسائل المؤدية لانتشار هذه الأمراض، المتمثلة بالزنا والشذوذ والمخدرات.
· قال الله تبارك وتعالى : ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً) الإسراء 32.
· قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كيف أنتم إذا وقعت فيكم خمس، وأعوذ بالله أن تكون فيكم أو تدركوهن، ما ظهرت الفاحشة (الزنا) في قوم قط، يعمل بها فيهم علانية، إلا ظهر فيهم الطاعون (الوباء)والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم.. " رواه الحاكم.
· وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان: " إذا استحلت أمتي خمس فعليهم الدمار، إذا ظهر التلاعن وشربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القينات، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء) رواه البيهقي.
· وبعد أليس اكتفاء الرجال بالرجال، والنساء بالنساء الذي أصبح مباحاً بحكم القانون في دول غربية كثيرة، هو الشذوذ بعينه؟؟ ألم يثمر ذلك للبشرية أمراضاً لم تكن في السابق؟؟
اليس الإيدز مرضاً جديداً لم يتجاوز عمره خمس وعشرون خريفاً؟؟
الأوقاف الإسلامية القديمة ودورها فـي النهضة التعليمية والثقافية
صورة للمدرسة النورية التي بناها نور الدين محمود زنكي رحمه الله
بقلم يسري عبد الغني عبد الله
باحث ومحاضر في الدراسات العربية والإسلامية
مداخلة أولية :-
في هذه المقالة المتواضعة نحاول الحديث عن بعض الأوقاف الإسلامية القديمة في كل من : بلاد الشام ومصر والعراق كنماذج للأوقاف الإسلامية ، ودورها في النهضة التعليمية والثقافية ، وذلك على أيام الدولة العباسية (المأمون ) ، والدولة السلجوقية (نظام الملك) , والدولة النورية (نور الدين محمود) , والدولة الفاطمية (الحاكم بأمر الله) , والدولة الأيوبية (صلاح الدين الأيوبي) ، وقد كان تحديد البحث بهذه الفترات ، لأن الحديث عن الأوقاف الإسلامية ودورها الثقافي والتعليمي بوجه عام ، يتطلب منا الحديث عن الأوقاف الإسلامية قديماً وحديثاً ، وكذلك الحديث عنها في بلاد إسلامية مثل:بلاد السند،ودول المغرب العربي ، وفي بلاد أخرى سكن فيها الإسلام مدة من الزمن مثل الهند وبلاد الأندلس , وبعض الدول الغربية التي توجد فيها أوقاف إسلامية ، وهذا يتطلب دراسة موسعة لا يستطيع مقالنا المتواضع أن يفي بها ، فلعلنا نوفق في الكتابة عن الفترات والبلاد التي حددناها .
بيت الحكمة والأوقاف :
قبلإنشاءبيت الحكمة ( أول مؤسسة ثقافيةتعليميةعند المسلمين ) والذي أعلن فاعلياته الثقافية المأمون العباسي ( 218 هـ ) بعد أن أسسه والده الخليفة / هارون الرشيد ، كان الراغبون في العلم يسعون إلى منازل وبيوت الشيوخ والعلماء للسماع منهم ، أضف إلى ذلك المسجد الذي كان دائماً مكاناً للعبادة والعلم .
ولهذا السبب لم تكن هناك نفقات معينة تبذل في سبيلنشر العلوم والمعارف ، فلما ظهرت الحاجة إلى تأسيس مكان يخصص لرعاية العلم ونشر الثقافة ، ظهرت في الوقت نفسه فكرة أن يوقف (الوقف) على هذه المؤسسة الثقافية التعليمية , وقف يُنتج إيراداً يكفي للإنفاق على شئونه اوشئون القائمين بالعمل فيها . [أحمد شلبي ، التربية والتعليم في الفكر الإسلامي ، ص 373 ، بتصرف] .
إذن كان المأمون العباسي الذي يعد بحق رائداً لنشر الثقافات والمعارف في العصر العباسيهوأول من أبرز هذه الفكرة للوجود ، فإنه لم يشأ أن يكون نشاط بيت الحكمة متوقفاً على سخاء الخلفاء والأمراء ، بل أراد أن يجعل نشاطه قوياًمتجدداًمتصلاً سواء أكان الخليفة كريماً أم شحيحاً .
ومن هنا هيأ للعلماء رزقاً سخياً يتقاضونهمن وقف ثابت يفيض ريعه عليالتكاليف المطلوبة لهذه المؤسسة الثقافية التعليمة .[سيد أمير علي ، مختصر التاريخ الإسلامي ، ص 274 ].
وانتشرت فكرة المأمون هذه بين من خلفه من الخلفاء والقادة والزعماء فأصبح من ضروريات إنشاء معهد ثقافي أو مدرسة أن يعين لها وقف ثابت ، تتلقى منه ما يفي بنفقاتها ، وما يمدها بما تحتاج من مصروفات .
ثم تطور هذا الاتجاه الإيجابي ، فظهرت الأوقاف أيضاً على الذين يشغلون أنفسهم بخدمة العلم و التعليم والثقافة في المساجد ، بل إن بعض الأركان أو الأعمدة بالمساجد كان يوقف عليها أوقاف سخية يصرف ريعها إلى من يجلس بها للتدريس والتعليم .
وسوف نحاول في سطورنا القادمة أن نقدم عرضاً سريعاً لنماذج من الأوقاف الإسلامية القديمة في كل من بلاد الشام ، ومصر ، والعراق ، محاولين إظهار دورها في خدمة العلم والثقافة , محددين كلامنا بأيام الدولة العباسية ، وأيام الدولة السلجوقية ، وأيام الدولة الفاطمية ، وأيام الدولة الأيوبية ، كما ذكرنا في مقدمة المقال .
المدارس النظامية :
يقول ابن خلكان في كتابه (الوفيات ، 1 / 202 ) : إن نظام الملك (485 هـ) ، هو أول من أنشأ المدارس فاقتدى به الناس .
ولكن السبكي في (طبقات الشافعية ، 3 / 137) ، والمقريزي في (الخطط ، 2 / 363) ، يذكران لنا أن نظام الملك ليس هو أول من أنشأ المدارس في الإسلام ، فقد وجدت المدرسة البيهقية في نيسابور قبل أن يولد نظام الملك ، والمدرسة السعيدية بنيسابور أيضاً ، بناها أبو سعيد إسماعيل بن علي ، ومدرسة أخرى بنيت للأستاذ / أبي إسحاق الإسفرائيني في نيسابور كذلك .
ويحاول السبكي في طبقاته وفي نفس الموضع السابق أن يوفق بين الرأيين فينسب إلى نظام الملك ، أنه كان أول من قدر المعاليم للطلبة ، فكأن المقصود بإنشاء المدارس هو تقدير هذه المعاليم ، وصرفها للطلبة !! [أحمد شلبي ، التربية والتعليم في الفكر الإسلامي ، ص 366 ، بتصرف] .
وفي رأينا المتواضع : أننا لا نوافق على ما اقترحه السبكي من أن المراد هو أن نظام الملك الوزير السلجوقي يعد أول من قدر المعاليم لطلاب العلم ، وقول ابن خلكان السابق صريح في أن نظام الملك هو أول من أنشأ المدارس ، وليس أول من قدر المعاليم ، ثم أن العزيز بالله الفاطمي سبق نظام الملك بقرن تقريباً في تقدير هذه المعاليم للطلاب . [المقريزي ، الخطط , 2 / 241] .
المشكلة إذن هي : هل كان نظام الملك أول من أنشأ المدارس أم لا ؟ ، الجواب عندي بالإيجاب ، إذا أريد المعني الفني الدقيق لكلمة مدارس ، وأما ما نطلق عليه كلمة مدارس (مجازاً) ، مما ظهر قبل نظام الملك هو جهد متواضع ، لم يعمر طويلاً , ولم يكن قوي الأثر في الحياة الإسلامية ، وهذا الجهد المحدود ظهر قبل مدارس نيسابور بعهد طويل .
فالذي ينسب إلى نظام الملك هو هذه النهضة التعليمية التي لم تتوقف قط ، هو هذا النظام الذي وضع لتعليم المسلمين في جميع البقاع , هو هذه الشبكة من المدارس التي انتشرت في القرى والكفور والمدن ، ولا يستطيع إنسان أن يدعي أنه يجاري نظام الملك في هذا المضمار .[أحمد شلبي ، مرجع سابق ، ص 367 ، بتصرف] .
لقد بنى نظام الملك المدارس والربط والمساجد في أنحاء البلاد , وأمدها بما تحتاج من كتب ، وعين لها المدرسين والخدم ، وفتح أبوابها على مصرعيه لكل من أراد أن يطلب العلوم والمعارف ، كما بذل لها العطايا الكريمة ، وأوقف عليها الأوقاف السخية التي تكفيها على مر الأيام ، فأحيا بذلك معالم الدين الداعي إلى العلم والمعرفة ، ونشط من العلم وأهله ما كان خاملاً في أيام من قبله .
فإنشاء المدارس إذاً إنما هو واحد من أفضال نظام الملك وأياديه ، ومأثرة ترجع له وحده ، ولا ترجع إلى سواه ، ومن هنا تنتسب مثل هذه المؤسسات إلى أعظم شخصية في الدولة ، وعليه فإن تسمية المدارس النظامية مطابقة لهذه القاعدة ، فما كان في الدولة على ذلك العهد من يجاري نظام الملك ، أو يناظره .
وقفية نظامية بغداد:
كان نظام الملك أول من أنشأ المدارسـ كما ذكرنا ـ، وعندما اختلف مع السلطان السلجوقي / ملكشاه ، اغتيل في ظروف غامضة ، وبنهايته الأليمة كانت نهاية أخرى أكثر ألماً تنزل بمدارسه ( المدارس النظامية ) ، حيث توقف العمل بها تماماً ، بل أن بعضها مثل نظامية بغداد اختفت في ظروف غامضة ، واغتُصب مكانها منذ عهد سحيق ، فلم يعد معروفاً حتى وقتنا هذا على وجه الدقة للباحثين والدارسين .
ويبدو ـ للأسف الشديد ـ إن هذه النهاية الأليمة لم تلحق بالبناء فقط ، وإنما بكثير مما كتب عنه أيضاً .
فقد كان مما ضاع على الباحثين هذه الوثيقة المهمة التي كتبت فيها وقفية نظام الملك على مدارسه .
لقد ورد ذكر هذه الوثيقة في عدة مراجع ، ولكن الباحثين قديماً وحديثاً لم يستطيعوا أن يحصلوا عليها أو على نصها .
وعلى كل حال فلدينا من المصادر ما يمدنا في هذا الموضوع بمعلومات ، إن لم تكن كاملة فهي قريبة بعض الشيء من الكمال .
* يقول سبط الجوزي في كتابه (مرآة الزمان، 2 / 121): وفيها ( أي في سنة 462 هـ ) أوقف نظام الملك الأوقاف على النظامية ، وحضر الوزير والقضاة والعدول ببيت النوبة ، وكتبوا الكتب وسجلت ، ومما وقف:سوق المدرسة ، وضياع ، وأماكن ، وشرط نظام الملك الشروط المعروفة .
* ويذكر أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في كتابه (المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ، 8 / 256) ، عن حوادث نفس السنة ( 462 هـ ) : إنه في يوم الأثنين 26 من جمادى الآخرة جمع العميد أبو نصر الوجوه ، فأحضر أبا القاسم ابن الوزير فخر الدولة والنقيبين والأشراف ، وقاضي القضاة والشهود إلى المدرسة النظامية وقرئت كتب وقفيتها ، ووقف الكتب فيها ، فكان من الوقف ضياع وأملاك وسوق أقيمت على بابها .
* وهذا هو الرحالة / ابن جبير يرى و يكتب لنا في رحلته (رحلة ابن حبير ، 239) :أنه رأى ببغداد نحواً من ثلاثين مدرسة ، ويقول : إنه ما فيها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها ، وأعظمها وأشهرها النظامية التي بناها نظام الملك ، ولهذه المدارس أوقاف عظيمة ، وعقارات واسعة للإنفاق على الفقهاء والمدرسين بها ، وللإجراء على الطلبة .
أما ما خصص من المال لرعاية الشئون الثقافية على العموموكذلك ريع الأوقاف المعينة للمدارس ، فإن المراجع التي بين أيدينا أو المتاحة لنا، أوردت تفصيلات مفيدة ونافعة للباحثين ، نقتبس منها الآتي :ـ
· كان نظام الملك ينفق في السنة الواحدة على التعليم ما يقدر بـ ( 600000 ) دينار.[ناجي معروف ، المدرسة المستنصرية ، ص 8]
· أما الريع الذي كانت تنتجه الأوقاف المخصصة لنظاميةبغداد ، فقد ورد أنه كان 15000 دينار في العام الواحد . [محمد عبده ، الإسلام والنصرانية ، ص 98]
· وقد كان ذلك الريع كافياً لمرتبات الشيوخ ولما يدفع للطلبة ، وكان يشمل مؤونة طعامهم وملابسهم وفرشهم,وغير ذلك من ضرورات معاشهم حتى نبغ فيها جمع من الفقهاء الأفاضل ممن لا يحصون عددا [الألوسي ، تاريخ مساجد بغداد ، ص 102].
· أما أوقاف نظام الملك على نظامية أصفهان فقد بلغت 10000 دينار سنوياً .[سعيد نفيس ، مدرسة نظامية بغداد ، ص 3] .
ويجدر بالذكر هنا أن من أوفى التراجم التي كتبت عن الوزير / نظام الملك تلك التي كتبها العلامة / السبكي في كتابه : ( طبقات الشافعية ، 3 / 135 ـ 145 ) وقد كتبت بإسلوب رائع ، وصورت الرجل على أنه من أعظم المصلحين الاجتماعيين في الإسلام ، وأن شخصيته من أقوى الشخصيات التاريخية ، ونحن نحبذ أن يعتمد أي باحث في الكتابة عن نظام الملك على ما كتبه السبكي ، وكذلك على ما كتبه عماد الدين الأصفهاني ، وابن الأثير ، وابن خلكان ، وابن الجوزي ، لتعم الفائدة بإذن الله .
رجل يرعى العلم والتعليم :
كانت مملكة نور الدين محمود زنكي في سوريا أقوى مملكة قامت على أنقاض السلاجقة ، وقد خلد نور الدين اسمه كبطل من أبطال المسلمين في حروبهم ضد أدعياء حماية الصليب .
واستطاع نور الدين أن يضم إلى سمعته الحربية مكانة كمصلح اجتماعي كبير ، ومن أبرز إصلاحاته في هذا المجال رعايته لشئون العلم والتعليم ، فلقد أعد مملكته لتواصل حركة النشاط الذي بدأه الوزير السلجوقي / نظام الملك ، أو لتتلقى عن العراق وخُراسان ما ضعفتا عن حمله ، وذلك بعد انهيار دولة السلاجقة . [يسري عبد الغني ، يا نور الدين ... ، ص 5 وما بعدها] .
ومن هنا جاءت أهمية الدور الذي قام به نور الدين فهو لم يكن راعياً للعلم فقط ، وإنما كان مشرفاً على نهضته وحامياً لها حتى أسلمها إلى خلفه صلاح الدين ، وفي رأينا أنه لولا نور الدين وجهوده لخيف على هذه النهضة أن تفنى وتتلاشى وتضيع ، ولكن الرجل واصل السير في الطريق الذي بناه سلفه ، فبنى في بلاد الشام ولأول مرة العديد من المدارس التي فتحت أبوابها لطلاب العلم من كافة المستويات والطبقات ، في نفس الوقت الذي فتح فيه قلبه ومعاهده العلمية للمدرسين والعلماء والفقهاء الذين ضاقت بهم أرض العراق وخراسان ، بعد ما حل بها من شقاق واضطراب .
وهكذا كان نور الدين هو حلقة الاتصال بين نظام الملك السلجوقي الذي غرس النهضة التعليمية والعلمية ، وصلاح الدين الأيوبي الذي كتب على يديه لهذه النهضة البركة والنماء .
المدرسة النورية وأوقافها :
أما فيما يتعلق بالأوقاف على المدرسة النورية الكبرى التي بناها نور الدين محمود في دمشق السورية ضمن المدارس الأخرى العديدة التي شيدها , فقد سجلت هذه الأوقاف على الحجر الذي يكون العتبة العليا لباب المدرسة ، والكتابة الموجودة عليها واضحة ويمكن قراءتها حتى يومنا هذا .
* وفي هذه الوثيقة ، وبعد البسملة ، نعرف أن الذي أمر ببناء هذه المدرسة هو الملك العادل الزاهد / نور الدين أبوالقاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر (ضاعف الله ثوابه) .
* ونعرف أنه أوقفها على أصحاب الأمام سراج الأمة أبي حنيفة (رضي الله عنه) ، ووقف عليها ، وعلى الفقهاء والمتفقهة بها جميع الحمام المستجد بسوق القمح ، والحمامين المستجدين بالوراقة , والوراقة بعوينة الحمى ، وجنينة الوزير ، والنصف والربع من بستان الجورة بالأرزه ، والأحد عشر حانوتاً خارج باب الجابية ، والساحة الملاصقة من الشرق ، والتسعة حقول بداريا ، على ما نص وشرط في كتب الوقف رغبة في الأجر والثواب ، وتقدمه بين يديه يوم الحساب .
* ويضيف : فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ، إن الله سميع عليم ، وذلك في مدة أخرها شعبان سنة سبع وستين وخمسمائة .
ومعنى ذلك هو : أن هذه الأوقاف تسلم إلى المدرسة النورية الكبرى بدمشق ، في خلال مدة أخرها شهر شعبان سنة 567 هـ .
إن هذه الوثيقة التي احتفظ لنا التاريخ بها لوثيقة مهمة تبين لنا بوضوح الأوقاف التي عينها نور الدين للمدرسة النورية الكبرى ، وقد ظهر منها أن ريعها الوفير كان يكفي للإنفاق على الطلاب والمدرسين إنفاقاً سخياً متواصلاً.
ويمكن لنا أن نعطي مثالين آخرينلنؤكد هذه الحقيقة :
المثال الأول:
فقد ذكر المؤرخ / أبو شامه ف كتابه (الروضتين، 1 / 16) : أن نور الدين وقف على المدارس الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية ، وعلى أئمتها ومدرسيها وفقهائها أوقافاً كافية .
المثال الثاني :
ويقول الرحالة / ابن جبير (رحلة ابن جبير، ص 285) : إن من مناقب نور الدين محمود أنه عين للمغاربة الذين كانوا يلحقون بزاوية المالكية بالمسجد الجامع أوقافاً كثيرة ، منها : طاحونتان ، وسبعة بساتين ، وأرض بيضاء ، وحمام ، ودكانان بالعطارين ، وجعل أحد هؤلاء المغاربة مشرفاً على هذه الأوقاف .
الأوقاف في مصر وبلاد الشامعلى أيام الفاطميين:
نحب أن ننبه هنا إلى أن أي حديث عن موضوع الأوقاف وأثره على النهوض بالتعليم والثقافة في مصر ، يجب أن يشمل الحديث عن بلاد الشام ( سوريا ، ولبنان ، المملكة الأردنية الهاشمية ، فلسطين العربية ) ، وذلك لأن نفوذ الفاطميين والأيوبيين والمماليك امتد إلى بلاد الشام
العربية الإسلامية في فترات طويلة من حكم هذه الأسر ، وعليه فسنذكرأمثلة من الأوقاف في بلاد الشام خلال كلامنا عن الأوقاف في مصر .
نقول : لقد وجدت الأوقاف على التعليم في مصر قبل عهد الوزير السلجوقي / نظام الملك ، وقبل ونور الدين محمود زنكي ، بوقت طويل .
*ففي سنة 378 هـ ، و في عهد العزيز بالله الخليفة الفاطمي أصبح الأزهر معهداً علمياً أكثر منه مسجداً . [استانلي بول ، القاهرة ، ص ص : 121 ـ 123 ] .
* ولذلك نجد أن الوزير الفاطمي / يعقوب بن كلس يسأل الخليفة العزيز بالله في تحديد أجور لجماعة من الفقهاء ، فأطلق لهم ما يكفي كل واحد منهم من الرزق نقداً ، وأمر لهم بشراء دار وبنائها فبنيت بجانب الجامع الأزهر ، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع ، وتحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلى العصر,وكان لهم أيضاً من مال الوزير صلة . [المقريزي ، الخطط ، 2 / 273] .
* فلما جاء الخليفة الفاطمي / الحاكم بأمر الله عمد إلى الأوقاف يعينها للإنفاق من ريعها على المساجد والمؤسسات الثقافية ، فلقد أوقف على الجامع الأزهر ، و الجامع براشدة ، ودار العلم ، أوقافاً عظيمة ذكرها في سجل أشهد عليه قاضي القضاة / مالك بن سعيد الفاروقي .
* ويقول المقريزي في (خططه، 2 / 273 ـ 274): كانت الأوقاف عن جميع الدار المعروفة بدار القرب ، وجميع القيسارية المعروفة بقيسارية الصوف ، وجميع الدار المعروفة بدار الخرق الجديدة ، ويؤكد الحاكم بأمر الله الفاطمي على أن هذه الوقفية دائمة للأبد ، لا يوهنها تقادم السنين .
صلاح الدين والنهوض بالتعليم والوقف عليه :
الحديث عن صلاح الدين الأيوبي ، مؤسس الدولة الأيوبية ، حديث متشعب النواحي ، ومجاله خصب في أي ناحية من نواحيه ، ولكنا نريد في هذه الإلمامة السريعة المقتضبة أن نذكر المعنى الذي سبقت الإشارة إليه ونحن نتكلم عن نور الدين محمود ، فإن صلاح الدين كان أولاً قائداً من قادة نور الدين محمود ، ثم حكم مصر باسمه ، ثم خلفه على عرش مصر , ثم عرش بلاد الشام ، ومن هنا يظهر بوضوح سبب التشابه بين صلاح الدين ونور الدين والذي يحلو للعديد من المؤرخين الحديث عنه . [يسري عبد الغني ، يا نور الدين ... ، ص 14 وما بعدها ] .
لقد تلقى صلاح الدين غرس النهضة من سلفه ، فشيد لأول مرة المدارس في مصر وفي سبيل العلم والفضل كانت تهون عليه نفقات بيوت المال .[ابن جبير ، رحلة ابن جبير ، ص 58 ] .
قال صلاح الدين للخيوشاني المشرف على إحدى مدارسه : " زد احتفالا وتأنقاً ، وعلينا القيام بمئونة ذلك " [ابن جبير ، المرجع السابق ، ص 48] .
أهمية حفظ التراث :
ودخول المدارس إلى مصر ليس أمراً سهلاً لمن يكتب عن التعليم والثقافة ، لأن معناه في التحليل الأخير حفظ ذلك التراث من غوغاء التتار الذين اجتاحوا معظم أنحاء العالم الإسلامي ، وأوقفوا كثيراً من مظاهر الرقي فيه ، وكان كرم صلاح الدين وسخاءه على العلم والتعليم داعياً لجذب العلماء والطلاب لا من العراق فحسب بل من شمالي أفريقيا أيضاً ، حيث كانت مصر في منتصف المسافة ، فرحل لها من هنا وهناك جمهرة كبيرة وجدوا في صلاح الدين ملكاً باراً كريماً وحامياً عظيماً , فجمعهم الإحسان الصلاحي ، على حد قول عبد اللطيف البغدادي في كتابه [الإفادة والاعتبار ، ص 16].
وعندما جاء الأيوبيون إلى مصر نقلوا معهم حماسة الوزيرالسلجوقي / نظام الملك ، وحماسة نور الدين زنكي ، وحمايتهما للعلم ، ثم وجدوا أنفسهم في مصر,أمام تراث الفاطميين العريق ، ومدنيتهم العريضة , التي كان الفن والعلم من أنضر فروعها الوارفة.
لقد حافظ الأيوبيون على هذا التراث المزدوج ، ورعوا العلم ، وما بخلوا يوماً ، وما قتروا ساعة في الإنفاق عليه ، فأنشأوا الكثيراً من المدارس والمعاهد ، وأوقفوا عليها الأوقاف السخية .
وفي نفس الوقت ظهرت موجة من التنافس الشديد في هذا المضمار ، حيث أخذ فيها الأمراء والعلماء بنصيب ملحوظ ، وحظ وافر .
وسوف نحاول في سطورنا القادمة أن نعطي لك أمثلة موجزة لهذه الأوقاف ، ودورها في خدمة العلم والثقافة والمعرفة .
* يقول ابن جبير : إن كل مسجد يستحدث بناءه أو مدرسة أو خانقاه ( الخانقاه أو الخانكاه كلمة فارسية الأصل جمعها في العربية خوانق ، ومعناها : دار موقوفة لسكنى الزهاد والصوفية والعباد ) ، يعين لها السلطان / صلاح الدين أوقافاً تقوم بها وبساكنيها والملتزمين بها . [ابن جبير ، رحلة ابن جبير، ص 275].
* ويضيف المقريزي : أن صلاح الدين عندما بنى المدرسة الناصرية بالقرافة وقف عليها حماماً بجوارها ، وفرناً تجاهها ، وحوانيت بظاهرها ، والجزيرة التي يقال لها جزيرة الفيل ببحر النيل خارج القاهرة .[المقريزي ، الخطط ، 3 /264] .
الناس كملوكهم :
واقتدى بصلاح الدين غيره ممن أنشأوا المدارس ورعوا العلم في العهد الأيوبي ، ومن هؤلاء نذكر : ـ
* تقي الدين عمر بن شاهنشاه الأيوبي الذي اشترى منازل العز التي كانت تشرف على النيل,ومعدة لنزهة الخلفاء الفاطميين , ثم جعلها مدرسة للفقه الشافعي ، ووقف عليها الحمام وما حولها ، وبنى فندقاً بفندق النخلة ووقفه عليها ، ووقف عليها جزيرة الروضة التي كان قد اشتراها من قبل. [المقريزي ، الخطط ، 3/ 364]
* ومن المدارس التي حظيت بوقف سخي المدرسة الدماغية بدمشق السورية ، وكانت داراً لشجاع الدين بن الدماغ ، فلما مات جعلتها السيدة زوجته مدرسة للشافعية والحنفية ، ووقفت عليها ثمانية أسهم من أربعة وعشرين سهماً من المزرعة الدماغية ، والحصة من رجم الحيات ، والحصة من حمام إسرائيل خارج دمشق ، والحصة بدير سلمان من المرج ، ومزرعة شرخوب عند قصر أم حكيم ، ومحاكرات ، وغير ذلك . [النعيمي ، الدارس ، 1 / 236 ـ 237 ].
زوايا جامع عمرو بن العاص :
ويذكر لنا المقريزي ثمانية من زوايا جامع عمرو بن العاص التي كانت تقام بها حلقات تعليمية ، ويشير إلى الأوقاف التي وقفت على كل من هذه الزوايا ، وفيما يلي موجزاًببعضها : ـ
1 ـ زاوية الإمام الشافعي التي درس بها فعرفت به،ووقفت عليها أرض بناحية سندريس، ووقفها السلطان الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين الأيوبي .
2 ـ الزاوية الكمالية بالمقصورة المجاورة لباب الجامع الذي يدخل إليه من سوق الغزل ، ورتبها كمال الدين السمنودي ، وعليها فندق بمصر موقوف عليها .
3 ـ الزاوية التاجية أمام المحراب الخشب ، رتبها تاج الدين السطحي أو المسطحي ،وجعلها دورا بمصر موقوفا عليها .
[المقريزي ، الخطط , 2 / 255 ـ 256] .
** وهكذا كانت الأوقاف في عالمنا الإسلامي في الأعم الأغلب هي المورد الذي ينفق منه على التعليم وعلى المؤسسات الثقافية التي تقدم خدمة مجانية لعامة الناس ، ولكن في بعض الحالات كانت نفقات التعليم والثقافة تدفع بشكل مباشر من الخزانة العامة للدولة ، وقد ذكر المؤرخون أن الوزير الفاطمي / يعقوب بن كلس كان يجري بتوجيهات من الخليفة الفاطمي / العزيز بالله ألف دينار في كل شهر على جماعة من أهل العلم والوراقين والمجلدين . [آدم ميتز ، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ، 1 / 294].
ومنالأمثلة التي تدعو للعجب والدهشة ما رواه لنا الرحالة / ابن بطوطة من أن أحمد ملك ( إيذج ) كان يقسم خراج بلاده أثلاثاً ، ويجعل الثلث لنفقة الزوايا والمدارس . [ابن بطوطة ، تحفة النظار ، 2 / 31].
وقفية ست الشام :
وفي ختام هذاالمقالالمتواضع نحب أن نورد وقفية مهمة هي تلك التي وقفتها ست الشام أخت السلطان / صلاح الدين الأيوبي على المدرسة الشامية الجوانية ، وبكل أسف فإن هذه المدرسة قد خربت ، واتخذت داراً ، ولكن بقي منها بابها القديم ، وقد كتب على عتبته العليا نص الوقفية ، وتمتاز هذه الوقفية فوق أن مرجعها هو النص المكتوب على العتبة,وهو مرجع موثوق به تماماً , بأنها وقفية مفصلة دقيقة .
[أحمد شلبي ،التربية والتعليم في في الفكر الإسلامي ، ص 380 , بتصرف ].
ونحب أن نشير هنا إلى أن طريق إنفاق ريع الأوقافالخاصة بست الشام ،ورد مفصلاً فيمرجع مهم وهو كتاب تاريخ مدارس دمشق ، للعلامة / النعيمي . [1 / 202 ـ 203] .
يقول نص وقفية ست الشام : " بسم الله الرحمن الرحيم : هذه مدرسة الخاتون الكبيرة الآجلة عصمة الدين ست الشام أم حسام الدين بنت أيوب بن شادي رحمها الله ، وقفتها على الفقهاء والمتفقهة من أصحاب الإمام / الشافعي ( رضي الله عنه ) ، والموقوف عليها وعليهم وعلى ما يتبع ذلك ، جميع القرية المعروفة ببزينة ، وجميع الحصة وهي أحد عشر سهماً ونصف من أربعة وعشرين سهماً من جميع المزرعة المعروفة بجرمانا ، وجميع الحصة وهي أربعة عشر سهماً من القرية المعروفة بالتينة ، ونصف القرية المعروفة بمجيدل السويدا ، وجميع القرية المعروفة بمجيدل القرية ، وذلك في سنة ثمان وعشرين وستمائة " .
** أما الإنفاق على هذه المدرسة فقد وضع على النحو التالي : ـ
أولاً ـ يبدأ في الإنفاق بعمارة المدرسة ، وثمن زيت ، ومصابيح ، وحصر ، وبسط ، وقناديل ، وشمع ، وما تدعو الحاجة إليه .
ثانياًـ يدفع للمدرس غرارة من الحنطة ، وغرارة من الشعير ، ومائة وثلاثون درهماً فضة ناصرية .
ثالثاًـ عشر الباقي يصرف إلى الناظر عن تعبه وخدمته ومشارفته الأملاك الموقوفة وتردده عليها .
رابعاًـ إخراج ثلثمائة درهم فضة ناصرية في كل سنة ، تصرف في ثمن بطيخ ومشمش وحلوى في ليلة النصف من شعبان على ما يراه الناظر .
خامساًـ الباقي يصرف إلى الفقهاء والمتفقهة,والمؤذن , والقيم المعد لكنس المدرسة ورشها وفرشها وتنظيفها وإيقاد مصابيحها ، ويعطى هؤلاء على قدر استحقاقهم على ما يراه الناظر في أمر هذا الوقف من تسوية وتفضيل وزيادة ونقصان وعطاء وحرمان .
هذا وقد ذكرت الواقفة أن من شرط الفقهاء والمتفقهة والمدرس والمؤذن والقيم أن يكونوا جميعاً من أهل الخير والدين والصلاح والعفاف وحسن الطريقة وسلامة الاعتقاد والسنة والجماعة .
كما شرطت ـ رغبة منها أن يظل الملتحقون بالمدرسة في مستوى مالي لائق , و ألا يزيد عدد الفقهاء والمتفقهة المشتغلين بهذه المدرسة عن عشرين رجلاً ، من جملتهم المعيد بها والإمام ، بخلاف المدرس والمؤذن والقيم إلا أن يوجد في ارتفاع الوقف نماء وزيادة وسعة ، فللناظر أن يقيم بقدر ما زاد ونما.[النعيمي ،الدارس ، نفس الموضع السابق ، بتقديم وتأخير من جانبنا ]
والله ولي التوفيق ,,
يمكن التواصل مع المؤلف على البريد التالي: ayusri_a@hotmail.com
المراجع والأسانيد
1ـ أحمد شلبي ، التربية والتعليم في الفكر الإسلامي ( جوانب التاريخ والنظم والفلسفة ) ، الجزء الخامس من موسوعة الحضارة الإسلامية ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1987 م .
2 ـ سيد أمير علي ، مختصر تاريخ الإسلام ، لندن ، 1916 م .
3 ـ سيد أمير علي ، روح الإسلام ، لندن ، 1940 م
4 ـ ابن الجوزي ( سبط ) ، مرآة الزمان ، مخطوطة بدار الكتب المصرية ، تحت رقم 551 ، تاريخ .55
5 ـ ابن الجوزي ( عبد الرحمن ) ، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ، حيدر أباد ، الهند ، 1359 هـ .
6 ـ ابن جبير ، رحلة ابن جبير ، ليدن ، 1907 م .
7 ـ ناجي معروف ، المدرسة المستنصرية ، بغداد ، 1935 م .
8 ـ محمد عبده ، الإسلام والنصرانية مطبوع مع العلم والمدنية ، القاهرة ، 1948 م .
9 ـ الألوسي ، تاريخ مساجد بغداد ، طبعة بيروتية مصورة ، بدون ناشر ، وبدون تاريخ .
10 ـ أبو شامه ، الروضتين في أخبار الدولتين ، القاهرة ، 1287 هـ .
11 ـ سعيد نفيس ، مدرسة نظامية بغداد ، طهران ، 1313 هـ .
12 ـ ستانلي لان بول ، القاهرة ، لندن ، 1912 م .
13 ـ ستانلي لان بول ، تاريخ مصر في العصور الوسيطة ، لندن ، 1901 م .
14 ـ المقريزي ، الخطط ، القاهرة ، 1170 هـ .
15 ـ النعيم ، الدارس فيما في دمشق من المدارس ، دمشق ، 1948 م .
16 ـ آدم متز ، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ، الطبعة العربية ، القاهرة ، 1940 م .
17 ـ ابن بطوطة ، تحفة النظار ( رحلة ابن بطوطة ) ، باريس ، 1853 م .
18 ـ يسري عبد الغني ، المدنية العربية الإسلامية ( نظرات في الأصول والتطور ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1987 م .
19 ـ يسري عبد الغني ، يا نور الدين ... ، القاهرة ، 2004 م
طيب وكاتب إسلامي سوري مقيم في السعودية
للمسلمين فضل لا ينكر على الحضارة الإنسانية قاطبة، ولا سيما على حضارة الغرب المعاصرة.
فلقد نبغ علماء المسلمين في شتى العلوم والمعارف ، ويخطئ من يظن أن المسلمين كانوا مجرد نقلة ، نقلوا التراث الإغريقي فقط ، ذلك لأنهم قد استوعبوه وهضموه وفهموا أسراره ومضامينه ، وأضافوا إليه ومزجوه بعلوم الإسلام والقرآن .
وشهد الله ما ذكر ذاكر حضارة العرب إلا استهلت بعبراتنا الشؤون ، حسرة على من كانوا رسل خير ورحمة ، وحملة علم وعرفان ، أن تذهب جهودهم الإنسانية سدى على يد من خلفوهم في الحضارة ، فرجعوا بالفضيلة قرونا إلى الوراء .
وفي مجال الطب نبغ المسلمون في علوم الطب وفروعه ، وألفوا فيه الكتب والمراجع وابتكروا الآلات الطبية ، وأقاموا المستشفيات الثابتة والمتنقلة . واتسم العمل بالمستشفيات بالطابع الإسلامي ، والطابع الخلقي والإنساني بما يفوق نظام العمل بأرقى المستشفيات في بلاد الغرب .
ومن مفاخر الإسلام حقا أن أول المستشفيات في الإسلام كانت خيمة رفيدة ، و هي امرأة كانت تداوي الجرحى ، وتحتسب بنفسها على خدمة من أصابته الجراح من المسلمين . ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصاب سعد بن معاذ رضي الله عنه السهم في غزوة الخندق:
" اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب " .
ولما تتابعت الفتوح كان الجيش مضارب فيها الممرضات من النساء يداوين الجرحى ، وهذا من جهادهن .
وكان العرب يسمون المشافي ( بيمارستانات ) ويخففونها فيقول مارستانات . وهي في الأصل كلمة فارسية معناها " معسكر المرضى ".
وكانت البيمارستانات من أول عهدها إلى زمن طويل مستشفيات عامة ، تعالج فيها جميع الأمراض والعلل من باطنية وجراحية ورمدية وعقلية ، إلى أن أصابتها الكوارث ، ودار بها الزمن وهجرها المرضى فأقفرت إلا من المجانين، فصارت كلمة مارستان تعني مأوى المجانين
وفي الوقت الذي كانت فيه المشافي تشاد في كل مدينة من المدن الإسلامية ، كانت أوروبا تغرق في ظلام الجهل والتخلف .
وكان من أشهر المشافي في أوروبا في القرون الوسطى مستشفى " أوتيل ديو " في باريس . وقد جاء ذكره في كتاب ألفه " ماكس نوردو " قال فيه عن هذا المستشفى :
" كان يستلقي في الفراش الواحد أربعة مرضى أو خمسة أو ستة. فترى قدمي الواحد في جانب رأس الآخر. وكان الأطفال الصغار إلى جانب الشيوخ الشيب. حقا إن هذا لا يصدق، ولكنه الحقيقة والواقع. كانت المرأة تئن من مخالب المخاض إلى جانب رضيع يتلوى من التشنجات ، ورجل يحترق في هذيان الحمى إلى جانب مسلول يسعل سعلته الجارحة ، و مصاب بإحدى الأمراض الجلدية يمزق جلده الأجرب بأظافره الثائرة .
كانت رائحة الهواء في قاعات المرضى فاسدة حتى أن الزوار ما كانوا يجرؤن على دخولها إلا بعد أن يضعوا على وجوههم إسفنجة مبللة خلا . وتبقى جثث الموتى أربعا وعشرين ساعة في الفراش . وقد وصفه في القرن الثامن عشر باللي ويتنون ولافوازيه في تقريرهم وصفا تقشعر منه الأبدان ، إذ رأوا الموتى جنبا إلى جنب مع الأحياء ، كما رأوا الناقهين مختلطين في غرفة واحدة مع المحتضرين ، وكانت غرفة العمليات حيث الشق والقطع والبتر تأوى الذين تعمل لهم العمليات في الغد . فكانت تعمل في وسط الغرفة نفسها ، وكان المريض يرى أمامه تحضيرات العذاب ويسمع صراخ المعذبين ، فإن كان ممن ينتظر دوره في الغد كانت أمامه صورة أوجاعه المقبلة . وإن كان ممن مر بهذا الجحيم كان أمامه منظر يذكره بالأوجاع التي قاساها ".
ولم تعمل يد التحسين في هذا المستشفى الذي أنشئ عام 660 م إلا بعد الثورة الفرنسية عام 1789 م .
لوحة جدارية لمستشفى ألماني يعود إلى القرن السادس عشر يمكن رؤية المرضى بجانب بعضهم بعضاً في غرفة كبيرة ويظهر أحد الأطباء وهو يتفقدهم
هكذا كانت حال أحد أشهر مشافي أوروبا في العصور الوسطى كما يصفها الدكتور أحمد شوكت الشطي، فماذا كانت حالة مستشفياتنا التي كان يطلق عليها البيمارستانات ؟
يقول المؤرخون إن المشافي العربية والإسلامية كانت تكرس للرضيع والوضيع ، والملك والمملوك ، والجندي والأمير .
وكان الخلفاء والأمراء والسلاطين وذوو الجاه يتبارون في بناء المشافي حتى أصبح في كل مدينة من المدن الكبرى في الإمبراطورية العربية الإسلامية مستشفى عام واحد على الأقل للعناية بالمرضى . وكان البيمارستان مؤسسة حكومية يقوم بنفقاتها أحد الخلفاء أو الأمراء.
كان المرضى يفحصون في المستشفى فيعطون من لا يحتاج إلى الاستشفاء فيه وصفة تحضر في صيدلية المستشفى. أما المرضى الذين يحتاجون إلى دخول المستشفى، فتدون أسماؤهم لقبولهم، ثم يستحمون، ويـبقون في المستشفى حتى الشفاء التام، وعلامته أكل رغيف من الخبز وفروج كامل !!
وعندما يخرجونهم يعطونهم ثوبا مع كمية من الدراهم لتقوم بنفقاتهم الضرورية خارج المستشفى. وكان الناس يتمارضون رغبة منهم في الدخول إلى المستشفى والتنعم بما فيه . وكان الأطباء يغضون الطرف أحيانا عن هذا التحايل
قال خليل بن شاهين الظاهري في كتاب " النجوم الزاهرة " بعد أن زار دمشق :
" وبها بيمارستان لم ير مثله في الدنيا، وعندما دخلت دمشق سنة 831 هـ كان بصحبتي رجل أعجمي من أهل الفضل والذوق ، فلما دخل البيمارستان ، تمارض وأقام به ثلاثة أيام ورئيس الأطباء يتردد إليه، فلما فحصه وعلم حاله وصف له ما يناسبه من الأطعمة الحسنة والفواكه والحلوى . وبعد ثلاثة أيام كتب له الطبيب كلمة جاء فيها :
إن الضيف لا يقيم فوق ثلاثة أيام، وهذا يوحي بأنه أدرك أنه متمارض، ومع ذلك فقد عامله كأحد الضيوف "
وكان لكل مستشفى عام أروقة خاصة للذكور والإناث . وخصصت فيها شعب للحمى والإسهالات والجراحة والتجبير والإصابات العينية وغيرها. وألحق بأكثر المستشفيات حمام عام . ومن أقسام المستشفى صيدلية يشرف عليها صيدلي مجاز ، ومجهزة بالأدوية والشرابات والعقاقير المختلفة .
وجهز كل مستشفى بمكتبة تضم المفيد من مخطوط أبقراط وجالينوس وأطباء المسلمين، يجتمع فيها الأساتذة والطلاب بعد جولة الصباح على المرضى .
وكان للمستشفيات أوقاف تعولها، وكانت الإدارة الطبية يرعاها الطبيب الأول يعاونه رؤساء مختلف الشعب، ويعاون هؤلاء معاونوهم وتلاميذهم.
وانتشرت البيمارستانات انتشارا كبيرا في العالم الإسلامي، وكان منها نوعان :
النوع الأول: وهو البيمارستان الثابت. ومن ذلك بيمارستان النوري الكبير بدمشق
وبيمارستان قلاوون بالقاهرة .
النوع الثاني: وهو البيمارستان المحمول. وهو الذي ينقل من مكان إلى آخر بحسب
انتشار الأمراض والأوبئة والحروب.
بيمارستان قلاوون بالقاهرة
بيمارستان حلب
وبلغ من اهتمام الأمراء بالبيمارستان أن بعضهم كان يشرف بنفسه على سير العمل فيها، ومن هؤلاء أحمد بن طولون الذي اعتاد أن يتفقد أحوال المرضى في كل يوم جمعة في البيمارستان العتيق .
ولم تكن رسالة البيمارستان قاصرة على الرعاية والعلاج، وإنما امتدت لتشمل إعداد الأطباء، وتأهيلهم فكان بمثابة جامعة تخرج الأطباء، ويتبعون ما يطلق عليه في الوقت الحاضر اسمفريق العمل Team Work حيث يشترك أكثر من طبيب في تشخيص الحالة وعلاجها. وهذا المنهج الإسلامي هو الأصل الذي نشأ عنه ما يعرف في الوقت الحاضر في مجال العمل الطبي باسم مؤتمر الحالة Case Conference حيث يجتمع عدد من الأطباء والأخصائيين ويدرسون حالة مريض معينة ، ويبدي كل منهم رأيه ، ويتبادل الجميع الخبرة والمشورة .
أما المجاذم : فقد خصصت لعلاج المجذومين ، و أول مؤسسة عرفت في بلاد العرب هي مجذمة الوليد بن عبد الملك في دمشق سنة 88 هـ ، ثم تعددت المجاذم بعد ذلك . وتعد المجاذم العربية أول دور عولج فيها المصابون بالجذام معالجة فنية، وكان الدخول إليها غير تابع لقيد أو شرط، بينما كانت المجاذم في الغرب مخصصة لفئة من الناس. وكان على المقبول فيها أن يدفع رسما باهظا وأن يصطحب معه ما يحتاج إليه من مقاعد وأسرة وأواني الطعام والشراب .
وأما بيمارستانات الأمراض العقلية فقد تأسست في زمن الأمويين للعناية بالذين أصابهم مس أو اعتراهم ضعف عقلي . فقد كان المسلمون يعتبرون المعتوهين معدمين وعالة على إحسان الدولة ، لأن إصابتهم بقضاء من الله وقدره.
ولقد جاء في صك الأوقاف التي حبس ريعها لصالح المستشفى النوري أو العتيق بحلب أن كل مجنون يخص بخادمين فينزعان عنه ثيابه كل صباح ، ويحممانه بالماء البارد ، ثم يلبسانه ثيابا نظيفة ويحملانه على أداء الصلاة ، ويسمعانه قراءة القرآن يقرؤه رجل حسن الصوت ، ثم يفسحانه في الهواء الطلق .
أما في أوروبا، فكان المجانين يحرمون من دخول المستشفيات، وكانوا يقيدون بالسلاسل في بيوت الجنون، تلك البيوت التي كانت شرا من السجون، فيبقون فيها حتى ينتهي أجلهم !
فهل أتاك بعد هذا كله أن الغرب سبق حضارتنا بقرون حين اهتدوا إلى المستشفيات ؟
ولعلنا في الختام نذكر كلمة " رينان " التي يقول فيها :
" ما دخلت مسجدا قط إلا اعتراني خشوع يمازجه أسف على أني لم أكن مسلما "
فيتمنى أن يكون مسلما من ذلك الطراز: طراز نور الدين وصلاح الدين.
فإلى شحذ الهمم ودفن الظلام، نسأل الله أن يهدي المسلمين في كل مكان
معجم المناهي اللفظية ـ لأبي زيد
إعداد الدكتور: نظمي خليل أبو العطا
اللسان ذلك العضو الذي تتوسل إليه يومياً باقي أعضاء الجسم أن يتقي الله فيها، فحصاد ألفاظه إما أن تدخلهم الجنة فينعمون، أو تكبهم على منخارهم في النار فيهلكون.
ـ وقد أحسن الأستاذ بكر عبد الله أبو زيد صنعاً عندما وضع لنا معجماً للمناهي اللفظية يتعرف الانسان من خلاله كيف يصون لسانه وعقيدته ويعيش بين الناس في ود ووئام.
أهمية الالتزام التلفظي:
ـ يجب على العبد البعد عن الألفاظ المنهي عنها صيانة للتوحيد وحماية له، وحماية لحماه حفظاً للدين والعرض والشرف، وعمارة للتعايش بين العباد، وشد آصرة التآخي بينهم، سواء أكان النهي في ذلك للتحريم، أم للتنزه والورع عدولاً إلى الأدب الحسن: إما في تحسين اللازم للمباني من المعاني التي تفسرها وتؤثر على سلامة قصد اللافظ بها، كلفظ ( راعنا ) إذ نهى الله عنه، لما فيه من قصد معنى الرعونة عند اليهود، فأبدله الله ـ سبحانه ـ بلفظ: ( أنظرنا ) قال الله تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ([البقرة: 104].
وقال تعالى: ) من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع، وراعنا ليّاً بألسنتهم وطعناً في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا لكان خيراً لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً ([النساء: 46].
ـ وأما إرشاداً إلى الأدب الحسن في المباني، ورشاقتها، وخفتها على اللسان، وحلاوة النطق بها، وهكذا مما يسمى بالتحسين الثانوي.
نماذج من محتوى الكتاب:
أولاً: من حرف الألف:
1ـ أألج:
جاء النهي عنه في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي:
وعن عمرو بن سعيد الثقفي: أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أألج؟.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمة يقال لها روضة: ( قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، فقولي له يقول: السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقال: أأدخل ). ذكره ابن حجر في ترجمة روضة من ( الإصابة ) ـ وعن ريحانة قالت: جئت عمر فقلت: أألج؟ فقال لي: إذا جئت فقولي: السلام عليكم فإن قالوا: وعليكم السلام، فقولي أألج؟.
2ـ أبقاك الله: قال السفاريني: ( قال الخلال في الآداب: كراهة قوله في السلام: أبقاك الله.
أخبرنا عبد الله بن الإمام أحمد ابن حنبل قال: رأيت أبي إذا دعي له بالبقاء يكرهه، ويقول هذا شيء قد فرغ منه ).
وذكر شيخ الإسلام ( رحمه الله ) أنه يكره ذلك، وأنه نص عليه أحمد وغيره من الأئمة، واحتج له بحديث أم حبيبة لما سألت أن يمتعها الله بزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبيها أبي سفيان، وبأخيها معاوية فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يعجل منها شيء قبل حله ولا يؤخر منها شيء بعد حله، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار، وعذاب في القبر كان خيراً لك ).
3ـ أرى الله أمير المؤمنين:
قال سفيان الثوري: كتب كاتب لعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ هذا ما رأى الله ورأى عمر، فقال: ( بئس ما قلت: قل هذا ما رأى عمر، فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمن عمر ). انتهى.
وذكر ابن القيم رحمه الله: كتب كاتب بين يدي عمر حكماً حكم به فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. أ.هـ.
4ـ استووا:
يحصل الغلط في هذا اللفظ من جهتين:
الأولى: فتح الواو، فيكون إخباراً، وحقه الضم ليكون أمراً.
والثانية: اقتصار بعض الأئمة على هذا اللفظ في تسوية الصف، دون تحقيق المراد من استواء الصف بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، ويؤكد عليه، ويهدي إليه.
5ـ أصولي:
من الجاري في مصطلحات العلوم الشرعية: أصول الدين، ويقال: الأصل. ويقصد به: علم التوحيد ومنها أصول التفسير، أصول الحديث، أصول الفقه. وإلى هذا اشتهرت النسبة للمبرز فيه بلفظ: الأصولي. وعنهم ألف المراغي كتاب: طبقات الأصوليين.
ـ ولكن في أعقاب اليقظة الإسلامية في عصرنا، وعودة الناس إلى الأخذ بأسباب التقوى، والإيمان، والتخلص من أسباب الفسوق والعصيان، ابتدر أعداء الملة الإسلامية هذه العودة الإيمانية , فأخذوا يحاصرونها ويجهزون عليها بمجموعة من ضروب الحصار والتشويه،وتخويف الحكومات منهم، ومن نفوذهم... ثم قال: جلبت مجموعة من المصطلحات المولودة في أرض الكفر، تحمل مفاهيم سيئة إلى حد بعيد وكان منها هذا اللقب: ( الأصولية ) والنسبة إليه أصولي.
6ـ الأصولية:
الأصولية، الراديكالية، النضالية، الخلاص... العهد السعيد جميعها وأمثال لها من الألقاب الدينية مصطلحات أجنبية تولدت حديثاً في العالم الغربي، أوصافاً ( للكهنوتيين ) المتشددين.
فإذا أخذنا هذا المصطلح ( الأصولية ) نجد حقيقته كما يلي: أنه يعني في بيئته الأصلية ـ العالم الغربي ـ فرقة من البروتستانت تؤمن بالعصمة لأفرادها الذين يدعون تلقيهم عن الله مباشرة، ويعادون العقل، والفكر العلمي، ويميلون إلى استخدام القوة والعنف في سبيل هذا المعتقد الفاسد فمصطلح الأصولية، وما في معناه هو إذ: لإيجاد جو كبير من الرعب والتخوف من الإسلام ومقاومة من يدعون إليه.
7ـ زمان سوء:
أي: سب الزمان بمعنى الدهر.
قال السكوني: ويقول قائلهم: ( هذا زمان سوء ) وليس لهم في الزمان نفع ولا ضر، فيعود اعتراضهم إلى الفاعل سبحانه وتعالى.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ) أي: فإن الله هو الفاعل وحده دون الدهر وغيره لأنكم إذا سببتم الدهر، لأنه يفعل بكم الضر، وهو في الحقيقة لم يفعل شيئاً فيصير سبكم للفاعل على الحقيقة وهو الله سبحانه وهو كفر. انتهى.
8ـ هلك الناس:
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال الرجل: هلك الناس فهلو ( أهلكهم ). رواه مسلم والبخاري.
قال النووي في شرح الحديث: ( أهلكهم ) برفع الكاف وفتحها والمشهور الرفع...
وقال الحميدي: والأشهر الرفع أي: أشدهم كلاكاً قال: وذلك إذا قال ذلك على سبيل الازدراء عليهم والاحتقار به، وتفضيل نفسه عليهم لأنه لا يدري سر الله تعالى في خلقه.
وقال الخطابي: لا يزال الرجل يعنف الناس ويذكر مساويهم ويقول: فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك فإذاً فهل ذلك فهو أهلكهم، أي: أسوأ حالاً منهم فيما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم.
وقال مالك: إذا قال ذلك تحزناً لما يرى فيه الناس قال: يعني من أمر دينهم، فلا أرى بأساً. وإذا قال ذلك عجباً بنفسه وتصاغراً للناس فهو المكروه الذي نهى عنه.
ـ وصف الكتاب: بقي أن نقول: أن الكتاب سفر كبير يقع في ( 590 ) صفحة من القطع الكبير ومطبوع طباعة ممتازة باللونين الأحمر والأسود وقد اتبعه بكتاب فوائد في الألفاظ.
البخلاء للجاحظ
إعداد الدكتور: نظمي خليل أبو العطا
حديثنا اليوم عن كتاب البخلاء للجاحظ , ذلك الكتاب الذي صور فيه الجاحظ البخلاء الذين قابلهم وتعرفهم في بيئته الخاصة خاصة في بلدة مرو عاصمة خراسان , وقد صور الجاحظ البخلاء تصويراً واقعياً حسياً نفسياً فكاهياً , فأبرز لنا حركاتهم ونظراتهم القلقة أو المطمئنة ونزواتهم النفسية، وفضح أسرارهم وخفايا منازلهم واطلعنا على مختلف أحاديثهم، وأرانا نفسياتهم وأحوالهم جميعاً، ولكنه لا يكرهنا بهم لأنه لا يترك لهم أثراً سيئاً في نفوسنا.
ـ وقصص الكتاب مواقف هزلية تربوية قصيرة.
ـ والكتاب دراسة اجتماعية تربوية نفسية اقتصادية لهذا الصنف من الناس وهم البخلاء.
ـ الأهمية العلمية للكتاب:
ـ لكتاب البخلاء أهمية علمية حيث يكشف لنا عن نفوس البشر وطبائعهم وسلوكهم علاوة على احتوائه على العديد من أسماء الأعلام والمشاهير والمغمورين وكذلك أسماء البلدان والأماكن وصفات أهلها والعديد من أبيات الشعر والأحاديث والآثار فالكتاب موسوعة علمية أدبية اجتماعية جغرافية تاريخية.
ـ ونظراً لتعذر تبويب محتوى الكتاب فقد رأينا أن نعرض عليكم بعضاً من محتواه.
ـ نماذج من محتوى الكتاب:
1ـ ديكة مرو البخيلة:
قال ثمامة: لم أر الديك في بلدة قط إلا وهو لافظ، يأخذ الحبة بمنقاره، ثم يلفظها قدام الدجاجة، إلا ديكة مرو، فإني رأيت ديكة مرو تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحب قال: فعلمت أن بخلهم شيء في طبع البلاد , وفي جواهر الماء، فمن ثم عم جميع حيوانهم.
2ـ طفل مرو البخيل:
عندما سمع أحمد بن رشيد حديث ديكة مرو البخيلة من ثمامة قال: كنت عند شيخ من أهل مرو. وصبي له صغير يلعب بين يديه، فقلت له: إما عابثاً وإما ممتحناً: أطعمني من خبزكم، قال: لا تريده هو مر، فقلت: فاسقني من مائكم، قال: لا تريده هو مالح. قلت: هات لي من كذا وكذا قال: لا تريده هو كذا وكذا. إلى أن أعددت أصنافاً كثيرة كل ذلك يمنعنيه ويبغضه إليّ فضحك أبوه وقال: ما ديننا؟ هذا من علمه ما تسمع؟ يعني: أن البخل طبع فيهم وفي أعراقهم وطينتهم.
3ـ معاذة العنبرية وشاتها الاقتصادية:
قال شيخ: لم أر في وضع الأمور مواضعها وفي توفيتها غاية حقوقها، كمعاذة العنبرية. قالوا: وما معاذة هذه؟ قال:
ـ أهدي إليها العام، ابن عم لها أضحية، فرأيتها كئبة حزينة مفكرة مطرقة، فقلت لها: مالك يا معاذة؟ قالت: أنا امرأة أرملة، وليس لي قيم ( أي: من يقوم بأمرها )، ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي، وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه، وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة، ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها، وقد علمت أن الله لم يخلق فيها ولا في غيرها شيئاً لا منفعة فيه. ولكن المرء يعجز لا محالة. ولست أخاف من تضييع القليل إلا أنه يجر إلى تضييع الكثير.
ـ أما القرن فالوجه فيه معروف، وهو: أن يجعل منه كالخطاف ويسمر في جذع من أجذاع السقف فيعلق عليه الزبل ( السلة )، والكيران، وكل ما خيف عليه من الفأر والنمل والسنانير وبنات وردان ( الصراصير )، والحيات وغير ذلك وأما المصران فإنه لأوتار المندفة، وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة.
وأما قحف ( العظم فوق الدماغ ) الرأس والليحان وسائر العظام فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق، ثم يطبخ فما ارتفع من الدسم كان للمصباح وللإدام وللعصيدة ولغير ذلك، ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها، فلم ير الناس وقوداً قط أصفى ولا أحسن لهباً منه وإذا كانت كذلك فهي أسرع للقدر لقلة ما يخالطها من الدخان وأما الإهاب فالجلد نفسه جراب وللصوف وجوه لا تعد. وأما الفرث ( أي: الزبل ) والبحر فحطب إذا جفف عجيب.
ثم قالت: بقي الآن علينا الانتفاع بالدم، وقد علمت: أن الله عز وجل لم يحرم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه. وأن له مواضع يجوز فيها ولا يمنع منها وإن لم أقع على علم ذلك حتى يوضع موضع الانتفاع به، صار كية في قلبي وقذى في عيني وهما لا يزالان يعوداني.
قال: فلم ألبث أن رأيتها قد تطلقت وتبسمت فقلت: ينبغي أن يكون قد انفتح لك باب الرأي في الدم. قالت: أجل ذكرت أن عندي قدوراً شامية جدداً. وقد زعموا: أنه ليس شيء أزيغ ولا أزيد في قوتها، من التلطيخ بالدم الحار الدميم، وقد استرحت الآن، إذ وقع كل شيء في موقعه.
قال: ثم لقيتها بعد ستة أشهر، فقلت لها: كيف كان قديد تلك؟ قالت: بأبي أنت! لم يجيء وقت القديد بعد لنا في الشحم والإلية والجنوب والعظم المعرق وفي غير ذلك معاش ولكل شيء إبان.
4ـ يسمعون بالشبع ويتهمون بأكل الهاضمات:
قال الجاحظ: وحثني أبو الأصبغ بن ربعي قال: دخلت عليه بعد أن ضرب غلمانه بيوم، فقلت له: ما هذا الضرب المبرح، وهذا الخلق السيىء؟ هؤلاء غلمان، ولهم حرمة وكفاية وتربية، وإنما هم ولد هؤلاء كانوا إلى غير هذا أحوج.
ـ قال: إنك لست تدري أنهم أكلوا كل جوارشين. ( بضم الجيم ـ أي: الأدوية الهاضمة ) كان عندي.
ـ قال أبو الأصبع: فخرجت إلى رئيس غلمانه فقلت: ويلك!! مالك وللجوارشن وما رغبتك فيه؟ قال: جعلت فداك: ما أقدر أن أكلمك من الجوع إلا وأنا متكىء، الجوارشن ماذا أصنع به؟ هو نفسه ليس يشبع، ولا يحتاج إلى الجوارشن ونحن الذين إنما نسمع بالشبع سماعاً من أفواه الناس، ما نصنع بالجوارشن.
5ـ ليلى الناطعية ولبس المرقع:
ـ ما زالت ليلى الناطعية ترفع قميصاً لها وتلبسه، حتى صار القميص الرقاع، وذهب القميص الأول، ورفت ( أصلحت ) كساءها ولبسته، حتى صارت لا تلبس إلا الرفو، وذهب جميع الكساء وسمعت قول الشاعر:
البس قميصك ما اهتديت لجيبه فإذا أضلك جيبه فاستبدل
6ـ فقالت: إني إذاً لخرقاء، أنا والله أحوص ( أخيط ) الفتق وفتق الفتق وأرقع الخرق وخرق الخرق.
7ـ البخيل بالبخور:
قال بخيل: حبذا الشتاء فإنه يحفظ رائحة البخور، ولا يحمض فيه النبيذ إذا ترك مفتوحاً، ولا يفسد فيه مرق إذا بقي أياماً، وكان لا يتبخر إلا في منازل أصحابه، فإذا كان في الصيف دعا بثيابه فلبسها على قميصه لكيلا يضيع من البخور شيء.
8ـ وقيل لبخيل: قد رضيت بأن يقال: عبد الله بخيل.
قال: لا أعدمني الله هذا الاسم.
قلت: كيف؟.
قال: لا يقال فلان بخيل إلا وهو ذو مال، فسلم إلي المال، وادعني بأي اسم شئت.
عيون الأخبار لابن قتيبة
إعداد الدكتور: نظمي خليل أبو العطا
كتاب عيون الأخبار لأبي محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 286 هجرية حوى موضوعات مرشدة لكريم الأخلاق، زاجرة عن الدناءة، ناهية عن القبيح، باعثة على صواب التدبير، ولأن علم الدين والحلال والحرام تقليداً لا يجوز أن نأخذه إلا عمّن نراه حجة.
وهذا الكتاب لم يكن وقفاً على طالب الدنيا دون طالب الآخرة، ولا على خواص الناس دون عوامهم، ولا على ملوكهم دون سوقتهم، بل وفى كل فريق منهم قسمه، ولكي يروح على القارىء من كد الجد، ضمن الكتاب نوادر طريفة وكلمات مضحكة تدخل في باب المزاح والفكاهة يقول: ( مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوان الآكلين ).
محتويات الكتاب:
هذا الكتاب حلية الأدب، ونتاج فكر الحكماء، ولقاح عقول العلماء، وسير الملوك وآثار السلف، قسم المؤلف فيه الأخبار والأشعار وجمعها في عشرة كتب، كل كتاب بمثابة باب.
فالكتاب الأول: هو كتاب السلطان، وفيه أخبار السلطان وسيرته وسياسته، على جانب اختياره القضاة والحجاب والكتاب، وفيه يكثر النقل عن الفرس والهند ومما يشير إلى تأثر الأدب العربي بأدب هؤلاء ولكنه في موضوع القضاء لم ينقل إلا عن أحكام العرب والمسلمين.
والكتاب الثاني: هو كتاب الحرب وفيه الأخبار عن آداب الحرب ومكائدها، ووصايا الجيوش وعددها وسلاحها.
وفي الكتاب الثالث: يسهب المؤلف في الحديث عن مخايل السؤدد وأسبابه، ويتحدث عن الذل والمروءة والغنى والفقر والبيع والشراء.
والكتاب الرابع: هو كتاب الطبائع والأخلاق المذمومة وفيه الأخبار عن تشابه الناس في الطبائع إلى جانب طبائع الجن والسباع والطير والحشرات.
والكتاب الخامس: وهو كتاب العلم والبيان، وفيه: الأخبار عن العلماء، والبيان والبلاغة والخطب والمقامات ووصف الشعر.
والكتاب السادس: وهو كتاب الزهد وفيه أخبار الزهاد، ومناجاتهم، ومواعظهم، وذكر الدنيا والموت ثم يليه كتاب الإخوان، ويحث فيه على حسن اختيارهم، وبعده كتاب الحوائج، ويتضمن الأخبار عن استنجاح الحوائج بالكتمان والصبر والهدية والرشوة ولطيف الكلام ثم الكتاب التاسع وهو كتاب الطعام: وفيه أخبار الأطعمة الطيبة، الحلواء، وما يأكله فقراء الأعراب، وما يصلح الأبدان من الغذاء والحمية وشرب الدواء ومضار الأطعمة ومنافعها، إلى جانب نتف من طب العرب والعجم وأخيراً كتاب النساء: وفيه الأخبار عن اختلاف النساء في أخلاقهن وخلقهن وما يختار منهن للنكاح وما يكره.
المؤلف:
مؤلف عيون الأخبار هو محمد عبد الله بن المسلم ابن قتيبة الدينوري ( بكسر الدال وسكون الياء وفتح النون والواو معاً وكسر الراء وتشديد الياء )، من أصل فارسي، ولد أبوه مسلم بمرو، ولد ببغداد سنة 213 هجرية ومن أساتذته أبو حاتم السجستاني صاحب كتاب النخل الذي عرضناه عليكم سابقاً.
ومن مؤلفات ابن قتيبة معاني الشعر الكبير، وعيون الشعر، والشعر والشعراء، والماتب، والمناقب عن عيون الشعر، وأدب الكاتب، وديوان الكتاب، وإعراب القرآن، ومعاني القرآن، ومشكل القرآن، وغريب القرآن، والرد على القائل بخلق القرآن، وآداب القراءة، وغريب الحديث، ومشكل الحديث، والمشتبه من الحديث والقرآن، وإصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث، والمسائل والجوابات، وجامع الفقه، والتفقيه، ودلائل النبوة، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وخلق الإنسان، والرد على المشبهة، وجامع النحو، وجامع النحو الصغيرن والتسوية بين العرب والعجم، وفضل العرب على العجم، والرد على الشعوبية، والعرب وعلومها، واللفاظ المغربة بالألقاب المعربة، والبلغة في شذور اللغة، وتقويم اللسان، والاشتقاق، وتعبير الرؤيا، والمعرفة، والمعارف، والأشربة، والعلم، والقلم، والأنوار، وفرائد الدر، وحكم الأمثال، والحكاية والمحكي، والرجل والمنزل، والنبات والجراثيم، والميسر والقداح، وآداب العشرة، والجوابات الحافرة، والقلام، وتاريخ الخلافة والإمامة والسياسة، ووصيته إلى ولده، وأرجوزة الظاء والضاء.
وكتاب عيون الأخبار الذي بيننا طبع في أربعة أجزاء في مجلدين في ( 533 ) صفحة من القطع (a4).
ـ نماذج من محتوى الكتاب:
عن المشاورة والرأي قال ابن قتيبة في عيون الأخبار: حدثنا الزيادي قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير حتى المرأة فتشير عليه بالشيء فيأخذ به ( كما حدث عند استشارته صلى الله عليه وسلم لأم سلمة يوم صلح الحديبية ).
وقرأت في التاج: أن بعض ملوك العجم استشار وزراءه فقال أحدهم: ( ولا ينبغي للملك أن يستشير منا أحداً إلا خالياً به، فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض، فإن إفشاء السر إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى اثنين وإفشائه إلى ثلاثة فإفشائه إلى العامة، لأن الواحد رهن بما أفشى إليه. والثاني يطلق عنه ذلك الرهن، والثالث علاوة فيه، وإذا كان سر الرجل عند واحدٍ كان أحرى ألا يظهره رهبةً منه ورغبة إليه، وإذا كان عند اثنين دخلت على الملك الشبهة، واتسعت على الرجلين المعاريض، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتهمهما اتهم بريئاً بجناية مجرم، وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له عن الآخر ولا حجة معه.
وقرأت في كتاب للهند أن ملكاً استشار وزراء له فقال أحدهم: الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة كما يزداد البحر بمواده من الأنهار، وينال بالحزم والرأي ما لا يناله بالقوة والجنود، وللأسرار منازل: منها ما يدخل الرهط فيه، ومنها ما يستعان فيه بقوم، ومنها ما يستغنى فيه بواحد، وفي تحصين السر الظفر بالحاجة والسلامة من الخلل، والمستشير وإن كان أفضل رأياً من المشير، فإنه يزداد برأيه رأياً كما تزداد النار بالسليط ضوءاً. وإذا كان الملك محصناً لسره بعيداً من أن يعرف ما في نفسه متخيراً للوزراء مهيباً في أنفس العامة كافياً بحسن البلاء لا يخافه البريء ولا يأمنه المريب مقدراً لما يفيد وينفق، كان خليقاً لبقاء ملكه، ولا يصلح لسرنا هذا إلا لسانان وأربع آذان، ثم خلا به ).
وفي كتاب للهند: ( من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند المشورة أخطأ الرأي وازداد مرضاً وحمل الوزر ).
معجم البلدان لياقوت الحموي
إعداد الدكتور: نظمي خليل أبو العطا
ـ حديثنا اليوم عن العمل الإبداعي الإسلامي، معجم البلدان للشيخ الإمام شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي المتوفى سنة 626 هجرية الموافقة لسنة 1228م ـ رحمه الله ـ، والمعجم يقع في خمس مجلدات من القطع (a4) كل جزء أكثر من ( 500 ) صفحة، مطبوع بنبط صغير حوالي ( 14 ). والكتاب كما قال الناشر يحتاج إلى تحقيق فهو معجم العرب الجغرافي.
ـ ومن العجب العجاب أن ياقوت كان عبداً لتاجر يسمى عسكر الحموي اشتراه جاهلاً بالخط فوضعه في الكتاب فتعلم، وأشركه في عمله في التجارة فتعلم الكثير. فقد جاء ياقوت أسيراً من بلاد الروم إلى حماه , وسافر إلى حلب وتنقل في البلدان إلى أن استقر في خوارزم , وقد استفاد ياقوت برحلاته الكثيرة فوائد جغرافية عديدة سنت له تأليف هذا الكتاب.
الكتاب في مقدمة المؤلف:
ـ قال ياقوت الحموي ـ رحمه الله ـ في مقدمته للكتاب: أما بعد: فهذا كتاب في أسماء البلدان، والجبال، والأودية، والقيعان، والقرى، والمحال، والأوطان، والبحار، والأنهار، والغدران، والأصنام، والأبداد، والأوثان، لم أقصد بتأليفه وأصمد نفسي لتصنيفه لهواً ولعباً، ولا رغبة حستني إليه ولا رهباً، ولا حنيناً استفزني على وطن، ولا طرباً حفزني على ذي ود وسكن، ولكن رأيت التدي له واجباً، والانتداب له مع القدرة عليه فرضاً لازماً، وفقني عليه الكتاب العزيز الحكيم، وهداني إليه النبأ العظيم، وهو قوله عز وجل حين أراد أن يعرف عباده آياته ومثلاته، ويقيم الحجة عليهم في إنزاله بهم أليم نقماته ) أفلم يسيروا في الرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (. فهذا تقريع لمن سار في بلاده ولم يعتبر، ونظر إلى القرون الخالية فلم ينزجر، وقال: وهو أصدق القائلين ( قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (. أي: انظروا إلى ديارهم كيف درست وإلى آثارهم وأنوارهم كيف درست، عقوبة لهم على اطراح أوامره، وارتكاب زواجره، على غير ذلك من آيات الحكمة والأوامر والزواجر المبرمة.
ـ السبب المباشر لتأليف الكتاب:
قال المؤلف: وكان من أول البواعث لجمع هذا الكتاب: أنني سئلت بمرو الشاهجان، في سنة خمس عشرة وست مئة في مجلس شيخنا الإمام السعيد الشهيد فخر الدين أبي المظفر عبد الرحيم ابن الإمام الحافظ تاج الإسلام أبي سعد عبد الكريم السمعاني تغمدهما الله برحمته ورضوانه، وقد فعل الدعاء إن شاء الله، عن حُباسة اسم موضع جاء في الحديث النبوي، وهو سوق من أسواق العرب الجاهلية. فقلت: أن حُباسة بضم الحاء، قياساً على أصل هذه اللفظة في اللغة لأن الحباسة: الجماعة من الناس من قبائل شتى وحبست له حباسة، أي: جمعت له شيئاً , فانبرى لي رجل من المحدثين وقال: إنما هو حباسة بالفتح، وصمم على ذلك وكابر، وجاهر بالعناد من غير حجة وناظر , فأردت قطع الاحتجاج بالنقل، إذ لا معول في مثل هذا على اشتقاق ولا عقل، فاستعصى كشفه في كتب غرائب الأحاديث، ودواوين اللغات مع سعة الكتب التي كانت بمرو يومئذٍ، وكثرة وجودها في الوقوف، وسهولة تناولها، فلم أظفر به إلا بعد انقضاء هذا الشغب والمراء، ويأس من وجوده ببحث واقتراء، فكان موافقاً والحمد لله لما قتله، ومكيلاً بالصاع الذي كلته، فألقي حينئذٍ في روعي افتقار العالم إلى كتاب في هذا الشأن مضبوطاً. وبالإتقان وتصحيح الألفاظ وبالتقييد مخطوطاً , ليكون في مثل هذه الظلمة هادياً، وإلى ضوء الصواب داعياً، ونبهت على هذه الفضيلة النبيلة، وشُرح صدري لنيل هذه المنقبة التي غفل عنها الأولون، ولم يهتد لها الغابرون.
محتوى الكتاب:
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ عن محتوى كتابه:
ـ وقد قدمت أمام الغرض من هذا الكتاب، خمسة ابواب بها يتم فضله، ويغزر وبله:
ـ الباب الأول: في ذكر صورة الأرض وحكاية ما قاله المتقدمون في هيئتها وروينا عن المتأخرين في صورتها.
ـ الباب الثاني: في وصف اختلافهم في الاصطلاح على معنى الإقليم وكيفيته واشتقاقه ودلائل القبلة في كل ناحية.
ـ الباب الثالث: في ذكر ألفاظ يكثر تكرار ذكرها فيه يحتاج إلى معرفتها كالبريد والفرسخ والميل والكوره وغير ذلك.
ـ الباب الرابع: في بيان حكم الأرضين والبلاد المنفتحة في افسلام وحكم قسمة الفيء والخراج فيما فتح صلحاً أو عنوة.
ـ الباب الخامس: في جمع من أخبار البلدان التي لا يختص ذكرها بموضع دون موضع، لتكتمل فوائد هذا الباب ثم أعود إلى الغرض فأقسمه ثمانية وعشرين كتاباً على عدد حروف المعجم، ثم أقسم كل كتاب إلى ثمانية وعشرين باباً للحرف الثاني والأول، والتزام ترتيب كل كلمة منه على أول الحروف وثانيه وثالثة ورابعة وإلى أي غاية بلغ فأقدم ما يجب تقديمه بحكم ترتيب أ ب ت ث على صورته الموضوعة له من غير نظر إلى أصول الكلمة وزوائدها، لأن جميع ما يرد إنما هي أعلام لمسميات مفردة وأكثرها عجمية ومرتجلة لا مساغ للاشتقاق منها.
أنموذج من محتوى الكتاب:
الأحساء: بالفتح والمد، جمع حسي، بكسر الحاء وسكون السين: وهو الماء الذي تنشفه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابة أمسكته فتحفر العرب عنه الرمل فتستخرجه.
قال أبو منصور: سمعت غير واحدٍ من تميم يقول: احتسينا حسيا أي: أنبطنا ماء حسي، والحسي الرمل المتراكم، أسفله جبل صلد، فإذا مطر الرمل نشف ماء المطر، فإذا انتهى إلى الجبل الذي تحته، أمسك الماء، ومنع الرمل وحر الشمس أن ينشفا الماء، فإذا اشتد الحر نبث وجه الرمل عن الماء فنبع بارداً عذباً يتبرض تبرضاً.
وقد رأيت في البادية أحساء كثيرة على هذه الصفة، منها أحساء بني سعد بحذاء هجر، والأحساء ماء لجديلة طيء بأجاء وأحساء خرشاف، وقد ذكر خرشاف في موضعه وأحساء القطيف، وبحذاء الحاجر في طريق مكة أحساء في واد متطامن ذي رمل، إذا رويت في الشتاء من السيول، لم ينقطع ماء أحسائها في القيظ.
ـ والأحساء: مدينة بالبحرين، معروفة مشهورة كان أول من عمرها وحصنها وجعلها قصبة عجر ابو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجناني القرمطي وهي إلى الآن مدينة مشهورة عامرة وأحساء بني وهب على خمسة أميال من المرتسي بين القرعاء وواقصة على طريق الحاج فيه بركة وتسع آبار كبار وصغار والأحساء ماء لغني.
العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي
إعداد الدكتور: نظمي خليل أبو العطاء
حديثنا اليوم عن الكتاب الذي ملأ سمع الدنيا بأدبه، ونظم الأدب والعلم في عقده، وتفرد في إبداعه وتجميعه، فذاع صيته. إنه كتاب العقد الفريد لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلس ـ رحمه الله ـ.
والكتاب موسوعة علمية فريدة طبعت في سبعة أجزاء من القطع فلوسكاب كل جزء يقع في حوالي ( 400 ) صفحة.
ـ العقد الفريد ليس الوحيد في بابه:
ـ العقد الفريد ليس الكتاب الوحيد في بابه في التراث العربي الإسلامي الأدبي، فقد ألف في هذا الباب: البيان والتبيين، والكامل والأمالي، وعيون الأخبار والعقد ونحو ذلك كثير ولكن على الرغم من أنها كتب مختارات فإن لكل كتاب طعماً يدل على ذوق صانعه، كما قال المحققون في مقدمة الكتاب، ولوناً يدل على شخصية مصوره، هذا الجاحظ يدل كتابه على استغلاله لتجاربه وظروفه الاجتماعية، وعلى ما للمتكلمين من خصائص في تفتيق الموضوع وتشقيق الكلام، وهذا المبرد أديب نحوي متحفظ في مجونه عربي لا غير في ثقافته يتأثر ذوقه إلى حد كبير بفروق النحاة والعلماء أكثر مما يتأثر به ذوق الأدباء , وهذا أبو علي القالي تغلب عليه اللغة أكثر مما يغلب عليه النحو، فهو مؤلف البارع في اللغة وشارح المعلقات، ومؤلف في الإبل ونتاجها والخيل ومشياتها.... وهذا ابن قتيبة واسع الثقافة في آداب العرب والعجم، يخلط الجد بالمزح ولكن في تحفظ علماء الدين، ينقل أكثر مما ينقد، ويروي أكثر مما يبدع شأنه في ذلك شأن المحدثين.
فكرة العقد الفريد:
لقد تصور المؤلف كتابه عقداً كما سماه مؤلفاً من خمس وعشرين جوهرة كريمة اثنتا عشرة في جانب واثنتا عشرة أخرى في جانب ولكن لم يسم إلا الاثنتي عشرة الأولى فلؤلؤة وفريدة، وزبرجدة وجمانه، ومرجانة وياقوتة، وجوهرة وزمرة، ودرة ويتيمة، وعسجدة ومجنبة أما الاثنتا عشرة التي في الجانب الآخر فهي هذه الأسماء مكررة، فاللؤلؤة الثانية، والفريدة الثانية، وهكذا وفي الوسط، وهي الثالثة عشرة ـ جوهرة تسمى الواسطة.
تفرد العقد الفريد:
العقد الفريد ـ كما رأينا سابقاً ـ منظوم من جواهر كريمة فيه من كل صنف جوهرتان إلا الواسطة، وهو خيال شاعر لطيف لا أعرف أحداً سبق إليه، ولا أظن أنه وقف طويلاً عند اختيار اسم الجوهرة لتشاكل الموضوع، فاللؤلؤة الأولى في السلطان، واللؤلؤة الثانية في الفكاهات والملح، والفريدة الأولى في الحروب، والثانية في الطعام والشراب... الخ.
منهج التأليف للعقد:
ـ أوضح المؤلف منهجه في التأليف في مقدمة الكتاب فذكر أنه:
(1) تخيره من متخير جواهر الأدب ومحصول جوامع البيان.
(2) وأنه ليس له إلا تأليف الاختيار وحسن الاختيار، وفرش لدرر كل كتاب.
(3) وأنه تطلب نظائر الكلام وأشكال المعاني فقرن كل جنس منها إلى جنسه، وجعل كل جنس باباً على عدته.
(4) وأنه عمد في اختياره من جملة الأخبار وفنون الآثار إلى أشرفها جوهراً، وأظهرها رونقاً، وألطفها معنى، وأجزلها لفظاً، وأحسنها ديباجة، وأكثرها حلاوة وطلاوة.
(5) وأنه حذف الأسانيد طلباً للتخفيف والإيجاز.
(6) وأنه رأى الكتب قبله قاصرة فجعل كتابه هذا كافياً جامعاً لأكثر المعاني التي تجري على أفواه الخاصة والعامة.
(7) وأنه أتبع ذلك بشواهد من الشعر في تجانس الأخبار، وقرن بها غرائب شعره.
أنموذج من محتوى الكتاب:
من آداب الجهاد والمجاهدين في الإسلام:
ـ جاء في العقد الفريد ـ كتاب الفريدة في الحرب...
كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ومن معه من الأجناد:
أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال , فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدونا، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددهم ليس كعدوهم، ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا واعلموا أن عليكم في مسيرتكم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا أن عدونا شر منا فلن يسلط علينا وإن أسأنا، فرب قوم قد سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل، لما عملوا بمساخط الله، كفار المجوس ) فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً (. واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم. اسأل الله لنا ولكم , وترفق بالمسلمين في مسيرهم ولا تجشمهم مسيراً يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوهم والسفر لم ينقص قوتهم، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس والكراع ( أي: الخيل ). وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة، حتى تكون لهم راحة يحيون فيها انفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه ولا يرزأ أحداً من أهلها شيئاً، فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها فما صبروا لكم فتولوهم جبراً , ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح , وإذا وطئت أرض العدو فأزك العيون بينك وبينهم ولا يخف عليك أمرهم وليكن عندك من العرب أو أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدقك في بعضه، والغاش عين عليك وليس عيناً لك، وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم، فتقطع السرايا إمدادهم ومرافقهم وتتبع الطلائع عوراتهم، وأنتق للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخير لهم سوابق الخيل، فإن لقوا عدواً كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك، واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد والصبر على الجلاد ولا تخص بها أحداً بهوى، فيضيع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت به أهل خاصتك، ولا تبعثن طليعة ولا سرية في وجه تتخوف عليها فيه غلبة، أو ضيعة ونكاية فإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك. وطلائعك وسراياك واجمع إليك مكيدتك وقوتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة ما لم يستكرهك قتال، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها بها، فتصنع بعدوك كصنعه بك، ثم إذك أحراسك على عسكرك، وتيقظ من البيات جهدك، ولا تأت بأسير له عقد إلا ضربت عنقه، لترهب بذلك عدو الله وعدوك والله ولي أمرك ومن معك، وولي النصر لكم على عدوكم والله المستعان.
وهكذا يجمع أبو عمر بن عبد ربه الأندلسي ـ رحمه الله ـ فرائد عقده، ولىء قراءاته وينظمها لها عقداً فريداً حرباً بكل منا أن يقتنيه ويتعلم مما فيه.
( ولكننا نحذر من بعض الأخبار التاريخية المكذوبة على الصحابة في هذا الكتاب)
الهدي العلمي النبوي في إصلاح الأمة
بقلم الدكتور نظمي خليل أبوالعطا
حدثناكم في مقال سابق عن الهدي العلمي النبوي في العلم والعلماء، وعلمنا أن الإسلام دين العلم, وأن أسلافنا فقهوا ذلك, فكانوا أساتذة العالم وقادته في أيامهم وملأت مؤلفاتهم مكتبات الدنيا ومصادر تعلمها فكتبوا في الطب والنبات والحيوان والكيمياء والفيزياء والفلك والأدب والفلسفة والمنطق والتاريخ والجغرافيا وعلم النفس والتربية والرياضيات وغيرها من العلوم والفنون، وكان الواحد منهم موسوعة تسير على قدمين، فهذا أبو حاتم السجستاني من مؤلفاته: كتاب الطير وكتاب النخل, وكتاب النبات, وكتاب السيوف والرماح, وكتاب الدروع والترس وكتب المذكر والمؤنث, والمقصور والممدود, وكتاب الفصاحة وغيرها من الكتب التي تزيد على عشرين كتابا.
ومن مؤلفات الحسن بن الهيثم كتاب المناظر المطبوع في اكثر من 780 صفحة وله مقالات في ضوء القمر ورؤية الكواكب والأظلال والكسوف.
وللدميري كتاب حياة الحيوان الكبرى, المطبوع في مجلدين ضخمين كتبه عندما اختلف بعض الطلاب في نوع الحيوان والكتاب موسوعة في وصف الحيوان وفؤائده وسلوكه.
وللجاحظ كتاب الحيوان ولابن البيطار كتاب الجامع لمفردات الأدوية والعقاقير ولابن سينا كتاب الطب, وللدينوري كتاب النبات, وللغزالي كتاب إحياء علوم الدين ولابن القيم كتب: زاد المعاد, والروح, والصارم, المسلول ومئات من الكتب المتداولة بين أيدينا ولابن تيمية موسوعات وللبخاري صحيحه ولمسلم صحيحه والموطأ لمالك ولو عددنا علماء المسلمين ومخطوطاتهم ما انتهينا من ذكر أسماء تلك المؤلفات.
فما السبب أخي المسلم أننا تخلينا عن مجدنا وكرامتنا وعلمنا ورضينا أن نكون مع الخوالف وفي مؤخرة ركب البشرية وأين الخلل في تربيتنا العلمية وأين الخلل في طرائق تعليمنا وتعلمنا ؟!.
في رأيي أن هناك العديد من الأسباب اذكر منها هنا بعضها على سبيل المثال لا الحصر على أن أعود إلى الموضوع مرات عدة لأنه يحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث.
أولا: بعدنا عن الهدي العلمي النبوي في تقدير العلم والعلماء فعن أبى موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(مثل ما بعثني الله من الهدي والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولانتبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به) متفق عليه.
ويستفاد من هذا الحديث في مقامنا هذا أن معظمنا كالقيعان التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ, لأننا لم نرفع العلم النافع رأسا, ولم نقبل هدى الله الذي أتى به المصطفى صلى الله عليه وسلم وحرصنا على ما لا ينفعنا وآثرنا الدنيا والعمل السريع لها عن العلم والتعب في تحصيله وتطبيقه.
قال: الرياء في الأعمال والبعد عن الورع والتقوى وعمل الأعمال العظيمة من اجل الناس, وقد نهى المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم عن ذلك حين قال: إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمته فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى القي في النار, ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به، فعرفه نعمة فعرفها، فقال: فما عملت فيها قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. جزء من حديث أخرجه مسلم. فمعظم المسلمين الآن يتعلمون ليقال للواحد منهم متعلم, ويحمل الشهادات العليا ليقال أستاذ متعلم, وقد يسلك البعض مسالك غير مشروعة للحصول على الدرجة العلمية الكبرى, وأصبحت الدنيا مبلغ علمنا ومنتهى قصدنا, فلم يعد علماؤنا علماء, ولا أساتذتنا أساتذة, ولا كتابنا كتابا, إلا من رحم ربك, وتحولت جامعاتنا إلى مراكز لمنح الرخص المسماة بالشهادات وتحولت مراكز بحوثنا إلى أماكن للبحث العلمي من أجل الحصول على الرخصة العلمية وضاعت أموال المسلمين وأوقاتهم وأعمارهم, ثم وضعت البحوث على الأرفف في المكتبات ومصادر التعلم, أما التطبيق والعمل فهذا ليس من مقصدنا من التعليم والتعلم.
ثالثاً: الاستغراق في المصطلحات والتفسيرات النظرية والبعد عن العمل الجاد والمثمر والمنتج, حيث تحولت دراساتنا إلى تفسيرات, وبحوثنا إلى استنيانات واجتماعاتنا إلى تفلسف ومحاضر للجلسات, ومؤتمراتنا وندواتنا العلمية لاستعراض العضلات اللسانية في الكلام الذي لا يطيق منه شئ وهذا مناف لعقيدتنا قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتنا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" الصف2.
رابعاً: الوهن الذي أصاب المسلمين, فقد خاف علينا المصطفى صلى الله عليه وسلم الوهن, وعندما سئل عن الوَهَنْ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت) حيث أصبحت الدنيا مبلغ علمنا, وكرهنا الموت في سبيل الله, وأصبحنا نبحث عن مدرات الدنانير, وبعدنا عن مصلحات العباد, وأصبح حب الدنيا والأموال والأزواج والتجارة أحب إلينا من الله ورسوله قال تعالى " قل عن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين" سورة التوبة آية 24.
فعليك أخي المسلم أن تضع الآية السابقة في ورقة وترى هل الأبناء والأزواج والأموال والتجارة والمساكن أحب إليك من الله ورسوله وجهاد في سبيله, أم الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إلى نفسك من كل ما سبق؟ وهنا نقول لك لايحرم عليك هذه الأشياء ولكن حبها المطغي والمُنسي والملهي والصارف عن رسالتك في الحياة هو الممنوع.
وهنا ستعرف نفسك بالضبط ومع أي فريق أنت.
خامساً: فقدنا الثقة في أنفسنا, وأصبحنا في جهل لقدراتنا وديننا وتراثنا فطلبنا المشورة من بيوت خبرة غير المسلمين, وأصبحت مناهجنا لا تؤكد عن ذاتنا وعقيدتنا, فتخرجت أجيالنا مقطوعة الصلة بأمجادنا, ومن كان مخلصاً لدينه وعقيدته عاش في الماضي يمجد فيه, ولا يعيش في الحاضر, وينسى العمل للمستقبل فلم يستمتع بالحاضر ونعم الله عليه فيه, ولم يخطط للمستقبل, فكانت النتيجة كما نعلم جميعا, حتى لغتنا العربية لم نعد نقدر على التحدث بها, وأصبح الأجنبي الذي يتكلم غير العربية خبيرا حتى ولو كان لا يحمل إلا الشهادة الابتدائية, وبنظرة إلى رواتب العرب والمسلمين ورواتب الأجانب من غير العرب والمسلمين الذين يعملون في بعض ديار المسلمين نعلم ذلك علم اليقين.
أخي المسلم أختي المسلمة: قد تكون الكلمات قاسية والنظرة سوداوية والكلمات تقطر حزنا وسوادا, ولكن في الحقيقة نحن أمة رسبت في قاع التاريخ حاليا ونغوص الآن في الطين وهذا ليس كلامي ولكم من نتائج دراسات العديد من الباحثين والكتاب والمفكرين المخلصين, فمع أن الله سبحانه وتعالى ميزنا وجعلنا أمة وسطا وجعلنا خير أمة أخرجت للناس, فهل ترضى أخي المسلم أن نكون هكذا عالة على غير المسلمين وتوابع لغير المسلمين نأكل من مزارعهم ونلبس من مصانعهم ونحارب أنفسنا بأسلحتهم, وضاع المسلمون في أسبانيا, والصومال, والشيشان, والبوسنة, والهرسك, وفلسطين والجزائر وإريتريا, والعراق, والهند وفي ديار كثيرة لا نجرؤ على ذكرها وإلا وضعنا في مصاف غير العقلاء والمارقين.
أخي المسلم:
هذه دعوة لكل مسلم أن يتقي الله ربه, وان يتبع هدى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تحصيل العلم النافع والعمل به, وتقدير العلم والعلماء, وأن نبتعد بأعمالنا عن الرياء ونجعلها خالصة لوجهه الكريم, ونبتعد عن الجدل والمناقشات العقيمة وأن نتق الله في أقوالنا وأفعالنا, وأن نبتعد عن الوهن ونثق في قدراتنا ونصر الله لنا لنعيد لامتنا مجدها ولديننا انتشاره وسماحته ووسطيته التي حجبت تحت ستار كثيف من سلوكياتنا غير الإسلامية وأن نعود إلى هداية الدنيا برحمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, وقد بدأت تباشير النصر تظهر وبدأ جبل صناع الحياة في صنع الحياة فهيا بنا جميعاً نعمل وننتج لنخرج أمتنا إلى مكانتها التي وضعها الله منها أمة مؤمنه, عاملة, متعلمة, منتجة, تقود العالم بأخلاق القرآن, وتعمر الكون بنواميس الله في الخلق وبطاعة صاحب الخلق والأمر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعلام النساء لعمر كحَّاله وتكملته لمحمد يوسف
إعداد الدكتور: نظمي خليل أبو العطا
العمل الإبداعي الإسلامي الذي نناقشه هو الموسوعة العربية الإسلامية الفريدة أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام للأستاذ عمر رضا كحاله، ذلك العمل الذي جعل المرأة العربية والإسلامية محل اهتمامه ودراسته فخرج عملاً مبدعاً ضخماً يقع في خمسة أجزاء كل جزء حوالي 400 صفحة من القطع A 4.
ومن يطلع على هذا العمل يرى المكانة العالمية للمرأة المسامة فالكتاب يفضح تلك الدسيسة والفرية الكبرى التي يدعي مروجوها أن الإسلام حطّ من قدر المرأة المسلمة.
ـ الأهمية العلمية للكتاب:
قال المؤلف في مقدمة الكتاب موضحاً أهمية الكتاب وسبب تأليفه: أن الباحث إذا أراد أن يبحث في المرأة العربية أو المسلمة يجد عقبة كأداء لا يذللها إلا إذا مكث ردحاً من الزمن منقباً في بطون الأسفار المطبوعة والمخطوطة لعله يظفر بطلبه ويدرك حاجته وليس ذلك سلس المطلب سهل المرام لكل من طلب ذلك، بل لا بد له من أن يتجشم في بحثه مشقة في غنى عنها إذا رجع إلى «أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام» الذي أقدمه نقص؟؟ مرشداً في بحثهم ومعيناً يخفف عنهم العناء الذي يصادفونه خلال الدرس والتنقيب.
تكملة أعلام النساء:
قام الأستاذ محمد خير رمضان يوسف بإعداد كتيب يقع في 116 صفحة من القطع A 4 ضمنه أعلام النساء العربيات في الفترة من سنة 1977م إلى 1995م قال في مقدمته: فليست هناك موسوعي في تراجم النساء تضاهي موسوعة «أعلام النساء» للأستاذ عمر رضا كحالة الذي توفي سنة 1408هـ.
ولما كنت قدمت كتابي «تتمة الأعلام للزركلي، وتكملة معجم المؤلفين لكحاله» وفيهما أعلام ومؤلفات من النساء فقد عنَّ لي تجريد ما فيهما من تلك الأعلام وإصداره في كتاب مستقل ليكون تكملة لكتاب أعلام النساء لفترة تاريخية محددة تبلغ تسعة عشرة عاماً «1397 ـ 1415هـ». الموافق «1977 ـ 1995م» وهي تأريخ لوفيات الأعلام والمؤلفين الذي قدمته في التتمتين المذكورتين ولم أضف إليهما ـ هنا ـ إلا ترجمات نساء قليلات لم أرَضمها إلى الكتابين السابقين.
المرأة المسلمة بين الماضي المشرق والحاضر المقفر:
من يقارن بين العمل الذي قام به الأستاذ عمر كحاله والعمل الذي قام به الأستاذ محمد خير يوسف ويدرس حال المرأة المسلمة في ماضيها المشرق يرى أن حاضرها مقفر ومؤلم فامرأة مثل عائشة بنت طلحة التميمية التي لا نعلم عنها شيئاً قد أرخ لها الأستاذ عمر كحاله في خمس عشرة صفحة , وامرأة مثل تحية كاظم زوجة الرئيس جمال عبد الناصر كتب عنها فقط المؤلف تسع كلمات دون ذكر لتاريخ ميلادها، فقط كتب: زوجة الرئيس جمال عبد الناصر ماتت في 25 آذار «مارس» وكتب سطراً واحداً عن سعاد علي مظلوم أول مهندسة في تاريخ العراق الحديث وسيزا نبراوي رائدة الحركة النسائية في مصر كتب عنها عشر كلمات فقط.
وهنا نعلم مكانة المرأة في صدر الإسلام وحضورها برأيها وشعرها وموقفها واسمها وتاريخها فالمرأة ليست مهملة في الإسلام فزوجة زعيم القومية العربية ندر الحديث عنها واعتبر الكثير ذلك الممدوحة في حق جمال عبد الناصر الذي ساير الفكر العربي المعاصر وتصوره للمرأة وهذا الكلام ليس طعناً في أحد ولكن المقارنة اقتضت ذلك. امرأة مسلمة مغمورة يحفظ لها التاريخ أكثر من خمس عشرة صفحة وهي ليست زوجة نبي ولا شخصية عامة مثل أسماء بنت أبي بكر. أما زوجة زعيم القومية العربية فلا يجد كاتب في العصر الحديث أكثر من تسع كلمات يكتبهن عن امرأة زعيم.
الأهمية الإسلامية لكتاب أعلام النساء:
من المقارنة السابقة بين كتابي أعلام النساء وكتاب تكملة أعلام النساء تتضح أهمية نشر الكتاب من الناحية الإسلامية حيث حوى الكتاب سيرة أعلام النساء المسلمات والتي تتبين مدى تقدير الإسلام للمرأة فالمرأة في الإسلام مثل الرجل قال تعالى: ) ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ([البقرة : 228] وهذه أدل آية على مساواة المرأة بالرجل في الإسلام فللمرأة مثل الذي عليها بالمعروف من الحقوق والواجبات.
أنموذج من محتوى الكتاب:
أمامة بن الحارث..
من ربات الفصاحة والبلاغة والرأي والعقل خطب الحارث بن عمرو ملك كندة بنتها أم إياس بنت عوف بن ملحم الشيبباني فزوجها أبوها منه فقالت أمامة لابنتها:
«إن الوصية لو تركت لفضل أدب لتركت لذلك منك ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتها إليهما لكنت أغنى أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال.
أي بنيه إنك فارقت الجو الذي منه خرجت وخلقت العش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه وقرين لم تألفيه فأصبح بملكه عليك رقيباً مليكاً فكوني له أمة يكن لك عبداً وشيكاً يا بنية احملي عني عشر خصال تكن ذخراً وذكراً: الصحبة بالقناعة والمعاشرة بحسن السمع والطاعة والتعهد لموقع عينه والتفقد لموضع أنفه فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلا طيب ريح والكحل أحسن الحسن والماء أطيب الطيب المفقود والتعهد لوقت طعامه والهدوء عنه عند منامه فإن حرارة الجوع ملهبة وتنغيص النوم مبغضة , والاحتفاظ ببيته وماله والارعاء على نفسه وحشمه وعياله, فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير والارعاء على العيال والحشم حُسن التدبير , ولا تفشي له سراً، ولا تعصي أمراً، فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره وإن عصيت أمره أوغرت صدره ، ثم اتقى مع ذلك الفرح إن كان ترحاً والاكتئاب عنده إن كان فرحاً فإن الخصلة الأولى من التقصير والثانية من التكدير , وكوني أشد ما تكونين له إعظاماً يكن أشد ما يكون لك إكراماً , وأشد ما تكونين له موافقة يكن أطول ما تكونين له موافقة. واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت، والله يخير لك». فحملت إليه فعظم موقعها منه وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده اليمن.
الإعجاز والإيجاز للثعالبي
إعداد الدكتور: نظمي خليل أبو العطا
عجيب أمر علماء الأمة الإسلامية، علموا أن العلم عبادة ففاضت المكتبات بتوثيق علومهم والمستشفيات بإبداعاتهم الطبية، والمباني بفنهم الهندسي الإسلامي الفريد، والمزارع بهندستهم الزراعية , وهكذا في كل مناحي الحياة، ومع ذلك تجد العالم منهم قصاباً أو نجاراً أو حداداً أو عطاراً أو زراعاً.
ـ وعالمنا اليوم أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي رحمه الله نموذج من هؤلاء فقد كان يخيط جلود الثعالب لأنه كان فراء , ومع ذلك أخذ عن أشهر العلماء الثقات كابن السكيت وأبي عبيدة والأصمعي والخوارزمي وسيبويه والسيرافي وابن جني وغيرهم.
ومع أنه كان فراء فقد وصف بأنه إمام المصنفين، ضربت إليه أباط الأبل وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب طلوع النجم في الغياهب.
ـ وصف المؤلف للكتاب:
وصف المؤلف رحمه الله عمله الإبداعي «الإعجاز والإيجاز» بقوله: كتاب في الكلمات القليلة الألفاظ الكثيرة المعاني المستوفية أقسام الحسن والإيجاز الخارجة عن حد الإعجاب إلى الاعجاز في النثر المشتمل على سحر البيان والنظم المحاكي قطع الجمان.
ـ محتوى الكتاب:
قال المؤلف رحمه الله عن محتوى كتابه الإعجاز والإيجاز: وأخرجته في عشرة أبواب فالباب الأول: في بعض ما نطق به القرآن الكريم من الكلام الموجز والمعجز والباب الثاني: في جوامع الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم. والباب الثالث: فيما صدر منها عن الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين. والباب الرابع: فيما نقل عن ملوك الجاهلية. والباب الخامس: فر روايع ملوك الإسلام وأمرائه. والباب السادس: في لطايف كلام الوزراء. والباب السابع: في بدايع كلام الكتّاب والبلغاء. والباب الثامن: في ظرايف الفلاسفة والزهاد والحكماء والعلماء. والباب التاسع: في ملح الظرفاء ونوادرهم. والباب العاشر: في وسايط قلائد الشعراء.
ـ مؤلفات أخرى للمؤلف:
للمؤلف رحمه الله مؤلفات أخرى منها:
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، وفقه اللغة وسحر البلاغة، وسر البلاغة، ومؤنس الوحيد في المحاضرات.
ـ ماذا قال عنه الباخرزي:
قال الباخرزي عن المؤلف: أن الثعالبي هو جاحظ نيسابور وزبدة الأحقاب والدهور. لم تر العيون مثله ولا أنكر الأعيان فضله.
ـ أنموذج من محتوى الكتاب:
أولاً: في بعض ما نطق به القرآن من الكلام الموجز المعجز:
قال الثعالبي رحمه الله: من أراد أن يعرف جوامع الكلم ويتنبه إلى فضل الإعجاز والاختصار ويحيط ببلاغة الإيماء ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن الكريم وليتأمل علوه على سائر الكلام فمن ذلك قوله عز ذكره: ) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ( [سورة فصلت آية 30] استقاموا كلمة واحدة تفصح عن الطاعات كلها في الائتمار والانزجار، وذلك لو أن إنساناً أطاع الله سبحانه وتعالى مئة سنة ثم سرق حبة واحدة لخرج بسرقتها عن حد الاستقامة، ومن ذلك قوله عز وجل: ) فلا خوف عليهم ولا هم يحزنزن ( [سورة البقرة آية 38] فقد أدرج فيه ذكر إقبال كل محبوب عليهم , وزوال كل مكروه عنهم , ولا شيء أضر بالإنسان من الحزن والخوف لأن الحزن يتولد من مكروه ماض أو حاضر, والخوف يتولد من مكروه مستقبل فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه بل يتبرم بحياته، والخوف والحزن أقوى أسباب مرض النفس، كما أن السرور والأمن أقوى أسباب صحتها فالحزن والخوف موضوعان بإزاء كل محنة وبلية.
ذوالسرور والأمن موضوعان بإزاء كل صحة ونعمة هنية ومن ذلك قوله عز اسمه: ) لهم الأمن وهم مهتدون ( [سورة الأنعام آية 82] فالأمن كلمة واحدة تنبئ عن خلوص سرورهم من الشوائب كلها لأن الأمن إنما هو السلامة من الخوف.
والحزن المكروه الأعظم كما تقدم ذكره فإذا نالوا الأمن بالإطلاق ارتفع الخوف عنهم واارتفع بارتفاعه المكروه وحصل السرور المحبوب.
ومن ذلك قوله تعالى ذكره: ) أوفوا العقود ( [سورة المائدة آية 3] فهما كلمتان جمعتا ما عقده الله على خلقه لنفسه وتعاقده الناس فيما بينهم ومن ذلك قوله سبحانه ) فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ( [سورة الزخرف آية 71] فلم يبق مقترح لأحد إلا وقد تضمنته هاتان الكلمتان مع ما فيهما من القرب وشرف اللفظ وحسن الرونق ومن ذلك قوله عز وجل: ) والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ( [سورة البقرة آية 64] فهذه الكلمات الثلاث الأخيرة تجمع من أصناف التجارات وأنواع المرافق في ركوب السفن ما لا يبلغه الإحصاء ومن ذلك قوله جل جلاله: ) فاصدع بما تؤمر ( [سورة الحجر آية 94] ثلاث كلمات اشتملت على شرائط الرسالة وشرائعها وأحكامها وحلالها وحرامها، ومن ذلك قوله جل ثناؤه في وصف خمر الجنة: ) لا يصدعون عنها ولا ينزفون ( [سورة الواقعة آية 19] فهاتان الكلمتان قد أتتا على جميع معايب الخمر ولما كان منها ذهاب العقل وحدوث الصداع برأ الله خمر الجنة وأثبت طيب النفس وقوة الطبع وحصول الفرح.
ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: ) لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ( [سورة المائدة آية 66] وهو كلام يجمع جميع ما يأكله الناس مما تنبته الأرض ومن ذلك قوله عز وعلا: ) ولهن مثل الذي عليهن ( وهو كلام يتضمن جميع ما يجب على الرجال من معاشرة النساء وصيانتهن وإزاحة حللهن وبلوغ كل مبلغ فيما يؤدي إلى مصالحن ومناجحهن وجميع ما يجب على النساء من طاعة الأزواج وحسن مشاركتهم وطلب مرضاتهم وحفظ غيبتهم وصيانتهم عن خيانتهم ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: ) ولكم في القصاص حياة ( [سورة البقرة آية 179] ويحكى عن أزدشير الملك ما ترجمه بعض البلغاء فقال: القتل أنفى للقتل: ففي كلام الله تعالى كل ما في كلام أزدشير الملك وفيه زيادة معاني حسنة فمنها إبانة العدل بذكر القصاص والإفصاح عن الغرض المطلوب فيه من الحياة , والحث بالرغبة والرهبة على تنفيذ حكم الله به والجمع بين ذكر القصاص والحياة , والبعد عن التكرير الذي يشق على النفس فإن قوله القتل أنفى للقتل تكرير غيره أبلغ منه ومن ذلك قوله عز ذكره في أخوة يوسف: ) فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً ( [يوسف آية 80] وهذه صفة اعتزالهم لجميع الناس وتقليبهم الآراء ظهراً لبطن وأخذهم في تزوير ما يلقون به آباهم عند عودتهم إليه وما يوردون عليه من ذكر الحادث فتضمنت تلك الكلمات القصيرة معاني القصة الطويلة ومن ذلك قوله جلت عظمته: ) وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ( [سورة الأنفال آية 58] فلو أراد أحد الأعيان الأعلام في البلاغة أن يعبر عنه لم يستطع أن يأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي يتضمنها حتى يبسط مجموعها , ويصل مقطوعها, ويظهر مستورها فيقول إن كان بينكم وبين قوم هدنة وعهد فخفن منهم خيانة أو نقضاً فاعلمهم أنك نقضت ما شرطت لهم وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء.
مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني
إعداد الدكتور: نظمي خليل أبو العطا
مفردات ألفاظ القرآن للعلامة الراغب الأصفهاني من الأعمال الإسلامية الإبداعية والذي سلك فيه منهجاً بديعاً ـ كما قال المحقق صفوان عدنان داوودي ـ ومسلكاً رفيعاً ينم عن علم غزير, وعمق كبير فنجده أولاً يذكر المادة بمعناها الحقيقي، ثم يتبعها بما اشتق منها ثم يذكر المعاني المجازية للمادة وبين مدى ارتباطها بالمعنى الحقيقي.
ـ وهذا أمر لا يقدر عليه إلا من سبر غور اللغة، وخاض في لججها وبحارها.
ـ ويذكر على ذلك شواهد من القرآن أولاً ثم من الحديث ثانياً ثم من أشعار العرب وأقوالهم ثالثاً.
ـ ففي نطاق الآيات يكثر الراغب من الاستشهاد بها على المعنى المراد، كما يورد القراءات الواردة, ثم نراه يفسر القرآن بالقرآن كثيراً, ثم بأقوال الصحابة والتابعين, ثم يأتي بأقوال الحكماء التي تتفق عليها الشريعة.
المؤلف:
غلب على المؤلف لقبه «الراغب الأصفهاني» فأهمل اسمه وكثر الاختلاف فيه والأشهر كما قال المحقق صفوان داوود أن اسمه الحسين ـ وقد خلف الراغب الأصفهاني مؤلفات عدة وصلت إلى أكثر من خمسة عشر مؤلفاً من أهمها: جامع التفسير، ودرة التأويل في حل متشابهات القرآن, وتحقيق البيان في تأويل القرآن، وأفانين البلاغة والذريعة في مكارم الشريعة، ومحاضرات الأدباء ومحاورات البلغاء والشعراء، ومختصر إصلاح المنطق، ورسالة في الاعتقاد، ورسالة في مراتب العلوم.
ثناء العلماء على كتاب المفردات:
أثنى كثير من العلماء على كتاب مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني منهم حاجي خليفة الذي قال: مفردات ألفاظ القرآن للراغب، وهو نافع في كل علم من علوم الشرع.
ـ وجاء في الصفحة الأولى من مخطوطة المفردات في المكتبة المحمودية ما يلي:
هذا كتاب لو يباع بوزنه
ذهباً لكان البائع المغبونا
أوَما مِنَ الخسران أني آخذٌ ذهباً
ومهطٍ لؤلؤاً مكنوناً
وقال عنه المحقق صفوان داوودي: أن كتاب المفردات يعتبر موسوعة علمية صغيرة، فقد حوى اللغة والنحو، والصرف، والتفسير، والقراءات والفقه والمنطق، والحكمة، والأدب، والنوادر, وأصول الفقه, والتوحيد.
ـ والكتاب مطبوع في مجلد واحد يقع في 1247 صفحة من القطع (a 4) ببنط «14».
سبب تأليف الكتاب:
قال المؤلف في مقدمته للكتاب: وذكرت أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه في أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه كتحصيل اللبن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه، وليس ذلك نافعاً في علم القرآن فقط، بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع, فألفاظ القرآن هي لب كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتمد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم, وإليها مفزع حُذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة وكالحثالة والتبن بالإضافة إلى لُبوب الحنطة.
ـ وقد استخرت الله تعالى في إملاء كتاب مستوف فيه ألفاظ القرآن على حروف التهجي، فتقدم ما أوله الألف، ثم الباب على ترتيب حروف المعجم، معتبراً فيه أوائل حروفه الأصلية دون الزائد، والإشارة فيه إلى المناسبات التي بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات حسبما يحتمل التوسع في هذا الكتاب، وأجبل بالقوانين الدالة على تحقيق مناسبات الألفاظ على الرسالة التي عملتها مختصة بهذا الباب.
نماذج من محتوى الكتاب:
1 ـ بيت: أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل لأنه يقال: بات: أقام بالليل، كما يقال: ظلَّ بالنهار ثم قد يقال للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه أبيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن أخص والأبيات بالشعر قال عز وجل: ) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ( [النمل : 52] وقال تعالى: ) واجعلوا بيوتكم قبلة ( [النور : 27] ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر وصوف ووبر، وبه شبه بيت الشَّعر، وعبر عن مكان الشيء بأنه بيته وصار أهل البيت متعارفاً في آل النبي عليه الصلاة والسلام، ونبه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «سلمان منا أهل البيت» (سنده فيه ضعف) أن مولى القوم يصبح نسبته إليهم كما قال: «مولى القوم منهم، وابنه من أنفسهم» (صحيح) وبيت الله والبيت العتيق: مكة قال الله عز وجل ) ولْيَطَّوَّفُوا بالبيت العتيق ( [الحج : 29]. ) إن أول بيت وضع للناس لَلَّذِي ببكة ( [آل عمران : 96] ) وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ( [البقرة : 127] يعني: بيت الله. وقوله عز وجل: ) وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى ( [البقرة : 189] إنما نزل في قومٍ كانوا يتحاشون أن يستقبلوا بيوتهم بعد إحرامهم فنبه تعالى أن ذلك منافٍ للبر. وقوله عز وجل: ) والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ( [الرعد: 23] معناه: بكل نوع من المسار وقوله تعالى: ) في بيوت أذن الله أن ترفع ( [النور: 36] قيل: بيوت النبي نحو: ) لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ( [الأحزاب: 53].
وقيل: اشير بقوله ) في بيوت ( إلى أهل بيته وقومه. وقيل: أشير به إلى القلب. وقال بعض الحكماء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صور» (متفق عليه).
2 ـ سلم: السَّلْم والسلامة: التعري من الآفات الظاهرة والباطنة قال تعالى: ) بقلب سليم ( [الشعراء : 89] أي متعرٍ من الدَّغْل فهذا في الباطن وقال تعالى: ) مسلمة لاشية فيها ( [البقرة : 71] فهذا في الظاهر، وقد سَلِمَ يَسْلَمُ سلامة سلاماً وسلَّمه الله قال تعالى: ) ولكن الله سلم ( [الأنفال : 43] وقال تعالى: ) ادخلوها بسلامٍ آمنين( [الحجر : 46].
أي: سلامة، وكذا قوله تعالى: ) اهبط بسلام منا ( [هود : 48] والسلامة الحقيقية ليست إلا في الجنة، إذ فيها بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وصحة بلا سقم كما قال تعالى: ) لهم دار السلام عند ربهم ( [الأنعام : 127].
أي: السلامة قال تعالى: ) والله يدعو إلى دار السلام ( [يونس: 25] وقال تعالى: ) يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ( [المائدة: 16] يجوز أن يكون كل ذلك من السلامة وقيل: السلام اسم من أسماء الله تعالى وكذا قيل في قوله: ) لهم دار السلام ( [الأنعام: 127] و ) السلام المؤمن المهيمن ( [الحشر: 23] قيل: وصف ذلك من حيث لا يَلْحقه العيوب والآفات التي تلحق الخلق، وقوله: ) سلام قولاً من رب رحيم ([يس : 58] ) سلام عليكم بما صبرتم ([الرعد : 24] ) سلامٌ على آل ياسين ([الصافات : 130] كل ذلك من الناس بالقول، ومن الله تعالى بالفعل، وهو إعطاء ما تقدم ذكره مما يكون في الجنة من السلامة، وقوله تعالى: ) وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ( أي: نطلب منكم السلامة، فيكون قوله: ) سلاماً ( نصْباً بإضمار فعل، وقيل معناه: قالوا: سلاماً، أس سداداً من القول فعلى هذا يكون «صفة لمصدر محذوف». وهكذا استمر الراغب الأصفهاني في شرح سلم إلى ضعف ما أوردناه. وهكذا أبدع الأصفهاني رحمه الله.
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لعبد الباقي
كلمات القرآن تفسير وبيان لمخلوف
إعداد الدكتور: نظمي خليل أبو العطا
(1) ـ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم:
ـ العمل الإبداعي الإسلامي الأول الذي نحدثكم عنه اليوم هو ذلك الكتاب الذي لا يستغني عنه المسام خاصة أولئك الدعاة العلميون الذين فاتهم حفظ القرآن الكريم. فباستعمال هذا العمل الإبداعي الإسلامي نستطيع معرفة مكان الكلمة في أي آية وموضع الآية في أي سورة في القرآن الكريم إذا كنا لا نعلم من الآية إلا كلمة واحدة.
هذا العمل كما هو واضح من عنوانه هو كتاب المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم الذي وضعه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله، سابقاً به عصر الحاسبات الآلية والبرمجة المعلوماتية, والمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم من الكتب التي لا يستغني عنها أي بيت مسلم ولا مدرسة أو مكتبة عامة أو خاصة, لذلك أنصح كل مسلم أن يقتني هذا العمل الإبداعي الفذ, ومن الأمور الطيبة أن هذا العمل قد وضع في برامج الحاسب الآلي حالياً وهو متوافر بطريقة عصرية وفي متناول الجميع.
تعريف المؤلف للكتاب:
قال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله في مقدمته للكتاب: فهذا كتاب العالم الإسلامي، وكتاب العالم العربي، يحرص عليه المسلم لأنه كتاب دينه، ويحرص عليه العربي لأنه كتاب لغته, هو كتاب القرآن الكريم مرتبة مواد ألفاظه حسب ترتيب حروف الهجاء, ووالله ما أقدمت على وضعه، وإرهاق نفسي وإحناء جسمي، وانهاك قواي في عمله، والدأب في ترتيبه وتنسيقه، وإعادة مراجعته مرات متعددات إلا لما أيقنت من شدة الحاجة إليه وفقدان ما يسد مسده مما أُلف في بابه.
ثم قال: ولما أجمعت العزم على ذلك اخترت من أجله العلماء المغايير، وصفوة الأصدقاء المخلصين، لجنة عرضت عليهم فيها مواده مادة مادة، فما كان بادي الصحة أقروه، وما خفي عليهم وجه الصواب فيه فزعنا إلى المعاجم نستوضحها وإلى التفاسير نستلهمها,
ـ فلئن كان كتاب من عند غير الله أوفر نصيباً من الصحة لقد كان هذا الكتاب.
عمل المؤلف:
قال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله في بيان ما لقيه من تعب ونصب في هذا العمل الإبداعي الفذ: «ولما تم لي ذلك، أقحمت نفسي لجنة العمل واستهديت الله فهداني، واستعنته فأعانني، ومضيت لا ألوي على شيء، حتى لقد كيفت طريقة معيشتي تكييفاً يحول دون الوقوف بي قبل إتمامه.
ولما كنت أعلم أنه ما من عمل يعمله الإنسان اليوم إلا ويود في الغد لو أنه استقبل من أمره ما استدبر ليبلغ به الجودة اليوم، ما لم يكن قد بلغ به منها بالأمس ـ فقد استأنفت نسخه من جديد في أثناء الطبع فأضفت إليه تحت كل لفظة رقماً يدل على عدد مرات ورودها في القرآن الكريم، ورمزت أمام كل آية مكية بحرف (ك)، وأمام كل آية مدنية بحرف (م) ولما كنت أخشى أن تسقط مني لفظة في أثناء النسخ، فقد لجأت إلى طريقة عددتها أنجح الطرق، وأضمنها للحصر والإصابة: ذلك أني كنت ـ بعد تصحيح التجربة الأخيرة ـ أضع خطأ في مصحف أعددته لذلك ـ على كل لفظة ورد ذكرها فيها، حتى إذا انتهى الكتاب، رجعت إلى المصحف وعرضته لفظة لفظة. وإني أحمد الله أنه لم يسقط مني غير خمس عشرة لفظة».
وقد استدرك المؤلف رحمه الله تلك الأخطاء ووضعها في جدول خاص بذلك، كما وضع في بداية الكتاب جدولاً ببعض الألفاظ التي قد يعسر العثور عليها إلا على القليل.
انموذج من الكتاب:
نفترض أننا نقرأ الآية ) قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ( ونود أن نتعرف مكانها في المصحف الشريف فإننا نتخير كلمة , من الآية ولتكن الأرض ونجردها من الألف واللام فتصبح «أرض» ونفتح المعجم على حرف الألف مادة أرض نجدها رقم (9) في سورة فصلت وهي مكية ورقم سورة فصلت 41.
ويمكن أن تكشف عنها في مادة (كفر) أو مادة (خلق) أو مادة (يوم) وهكذا كل كلمة وردت في القرآن الكريم , وكل آية يمكن معرفة السورة التي تقع فيها تلك الكلمة والآية التي وردت فيها ورقم الآية , وهذا كما قلنا سابقاً عمل إبداعي فذ فتح أبواب التعامل مع آيات القرآن أمام طلاب العلم وكتاب المقالات ومعدي الكلمات والخطب ومؤلفي الكتب ويسر للجميع الاستشهاد بالآيات القرآنية في سهولة ويسر.
وإذا أردنا أن نعلم كم مرة وردت كلمة الأرض في المصحف وأماكن ورود كل آية مجد أسقل كلمة أرض رقم (86) يعني هذه الكلمة وردت (86) مرة في المصحف الشريف وهكذا.
(2): كلمات القرآن تفسير وبيان:
العمل الإبداعي الثاني الذي نعرضه عليكم هو كتاب القرآن تفسير وبيان لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف، رحمه الله، مفتي الديار المصرية سابقاً, وعضو جماعة كبار العلماء وضعه رحمه الله في ربيع الأول سنة 1375 هجرية الموافق أكتوبر سنة 1956م وقال في مقدمته:
تعريف الكتاب:
قال المؤلف رحمه الله في مقدمة الكتاب:
فهذا تفسير لما يحتاج إلى التفسير والبيان من كلمات القرآن، يوضح معانيها، ويعين على فهم الآيات التي هي فيها، وضعت فيه الكلمات على ترتيب الآيات في السور، وعن يمين كل كلمة رقم آيتها، وعن يسارها تفسيرها، في دقة وإيجاز، مع سهولة ووضوح، ليكون رفيقاً للمقيم، وزاداً للمسافر، خفيف المحمل، سهل المأخذ، داني القطوف، يسارع إليه التالي والسامع فيسعفه بطلبته، ويعينه على بلوغ غايته، دون تجشم وعناء.
وقال أيضاً: لم نفسر الحروف المقطعة في فواتح بعض السور اختياراً للقول بأنها من أسرار التنزيل، والله أعلم بمراده.
فسرنا كلمات القرآن بالمعاني المرادة منها في الآيات وقد تكون المعاني حقيقية، وقد تكون مجازية، أو كنائية.
أهمية الكتاب:
هذا الكتاب لا يستغني عنه المسلم ليتعرف به معاني كلمات القرآن الكريم، فوجب أن يكون في كل بيت وفي كل مدرسة ومسجد وجامعة ومع كل طالب ودارس وباحث.
وقد تعمدت وضعه مع المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لتكتمل الصورة أمام المسلم حيث يحدد مكان الآية في المصحف بالمعجم ويتعرف معاني كلماتها من كتاب الشيخ مخلوف.
أنموذج من الكتاب:
قال تعالى: ) قال: إنه يقول: إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها ( [البقرة: 71] قال الشيخ مخلوف رحمه الله:
) لا ذلول (: ليست هينة سهلة الانقياد.
) تثير الأرض (: تقلب الأرض للزراعة.
) الحرث (: الزرع أو الأرض المهيأة له.
) مسلمة (: مبرأة من العيوب.
) لاشية فيها (: لا لون فيها غير الصفرة الفاقعة. وهكذا مع جميع آيات القرآن الكريم.
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
مواقع النشر (المفضلة)